رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب : لا يزال القطيع عاجزًا عن رؤية الواقع.

ليس لأن الواقع غامض، أو لأن الحقائق غير متاحة، أو لأن الصورة تفتقر إلى الأدلة الكافية؛ بل لأن المشكلة أعمق من ذلك: فعندما تستقر الجماعة على رواية معينة، تبدأ في تفسير الواقع من خلالها، بدلًا من اختبار الرواية في ضوء الواقع.

وهنا يبدأ الانحراف.

فالقطيع لا يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل يبحث عما يؤكد قناعاته. ينتقي من الوقائع ما ينسجم معها، ويتجاهل ما يناقضها، ويعيد تفسير ما يتعذر تجاهله، حتى يصبح الواقع تابعًا للرواية، بدلًا من أن تكون الرواية انعكاسًا للواقع.

ومع مرور الوقت، يتحول الاعتقاد إلى يقين، واليقين إلى تعصب، والتعصب إلى دفاع أعمى. وعندها لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وإلى أين تقودنا نتائجه؟ بل يصبح السؤال: كيف نحافظ على الرواية التي آمنا بها، بصرف النظر عن الوقائع؟

وهذه هي أخطر مراحل القطيع.

ففي وعي القطيع، يصبح السؤال تشويشًا، والنقد تشكيكًا، والمراجعة ضعفًا، والاعتراف بالخطأ هزيمة، بينما يُقدَّم الإصرار على الخطأ باعتباره ثباتًا ووفاءً والتزامًا بالمبدأ.

لكن الحقيقة لا تتغير لأن الاعتراف بها مؤلم، والنتائج لا تتبدل لأن أسبابها أُنكرت، والواقع لا يعيد صياغة نفسه حفاظًا على صورة الجماعة عن ذاتها.

والأخطر من العجز عن رؤية الحقيقة هو العجز عن الرغبة في رؤيتها.

فعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى من يضلله؛ إذ يصبح قادرًا على تضليل نفسه بنفسه، ويبدأ في حماية الرواية التي استعبدته، ومهاجمة كل من يحاول إيقاظه منها.

وهنا يتحول القطيع من مجرد جماعة تتشارك الوهم إلى قوة تتولى حمايته.

وقد تبدأ المشكلة بخوف من الاعتراف، ثم تتحول إلى خوف من مخالفة الجماعة، ثم إلى خوف من فقدان المكانة، إلى أن يصبح الحفاظ على صورة الجماعة أهم من إنقاذ الجماعة نفسها.

وهذا هو المنحدر الأخطر: حين يصبح بقاء الرواية أهم من بقاء الحقيقة.

فالخروج من القطيع لا يعني بالضرورة معاداة الجماعة، أو التنكر لها، أو التخلي عن مصالحها؛ بل يعني استعادة العقل لاستقلاله، والقدرة على النظر إلى الواقع كما هو، لا كما نرغب في أن يكون.

أن تقول: أخطأنا، حين يكون الخطأ واضحًا.

وأن تقول: لم نكن نعلم، حين يتبين أن ما عرفناه كان ناقصًا.

وأن تقول: كنت مخطئًا، حين تثبت الوقائع ذلك.

هذه ليست هزيمة، بل بداية لاستعادة الوعي.

فالإنسان لا يُقاس بقدرته على تجنب الخطأ، وإنما بقدرته على مراجعة أخطائه. والجماعة لا تُقاس بعدد أفرادها، ولا بارتفاع أصواتها، وإنما بقدرتها على تصحيح مسارها حين تكتشف أنها أخطأت الطريق.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة هو فقدان القدرة على مراجعة الذات؛ لأن الجماعة التي لا تراجع نفسها تكرر أخطاءها، والجماعة التي تبرر أخطاءها تحولها إلى عقيدة، والجماعة التي تجعل من أخطائها عقيدة يصعب إنقاذها من نتائجها.

لذلك فالمشكلة ليست في كثرة القطيع، ولا في اجتماع أفراده، ولا حتى في تشابه أفكارهم.

المشكلة تبدأ حين يفقد الفرد في داخله القدرة على طرح الأسئلة.

فحين يموت السؤال، تموت معه إمكانية التصحيح.

وحين يصبح التفكير المستقل خروجًا على الجماعة، يصبح الصمت فضيلة زائفة، والترديد تعبيرًا عن الولاء، والتصفيق موقفًا، والخطأ الجماعي حقيقة لا يجوز الاقتراب منها.

لكن الواقع لا يفاوض أحدًا.

سيظل الواقع واقعًا، مهما حاول القطيع إعادة تسميته.

وستظل الحقيقة حقيقة، حتى لو تأخر الاعتراف بها.

ولهذا فإن القطيع لا يُهزم عندما يكتشف أن روايته كانت خاطئة؛ إنما يُهزم حين يفقد القدرة على تصور رواية أخرى.

وعندها لا يعود أسيرًا للوهم فحسب، بل يصبح حارسًا له.

فالمشكلة في القطيع ليست أنه لا يرى الحقيقة؛ بل أنه، في لحظة ما، يصبح أكثر خوفًا من الحقيقة من خوفه من نتائج إنكارها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى