
منذ أكثر من نصف قرن تقريباً، توقف انتاج الامثال والحكم فجأة في العراق التي كانت تعكس الواقع الاجتماعي وخلاصة تجارب وكانت جزءا من الثقافة الشعبية والقيم السائدة
ويمكن من خلال الحكمة والأمثال معرفة طبيعة الحياة في زمن ما،
لانها تتضمن حكاية ولو فككنا بنية الحكاية سندخل في عصر من العصور.
لماذا هذا التوقف الذي يشبه البتر للامثال وحلت بدلها امثال مخيفة مقلقة مثل: الحيطان لها آذان، يمشي ورا الطبل، الياخذ أمي يصير عمي، إجاك الحجي، إرفع إصماخك ــــــــــ رأسك ، بمعنى كن حذراً من ظهور مسؤول، صوت الطبل عالي ومن جوه فارغ، عن انفصال الشعارات عن الواقع، دزوا على سعدي الحلي كرمز للخوف من الاغاني، من غير كلمات مشفرة عن رجال الأمن والمخبرين: مثل: دير بالك طاوة، زنبور، كيبل، واير، طيران الفيل عن الخطابات الجوفاء، بالاضافة الى النكات السياسية التي قادت البعض الى الاعدام كإعدام اللواء الركن فالح أكرم فهمي على نكتة، بل وصل الامر مداهمة اللاوعي اخر الامكنة السرية للاختباء والمحاسبة على الاحلام.
منذ أواخر الستينات كانت شعارات النظام وأقوال رئيسه مهيمنة وتحتل الامكنة بما في ذلك الفضاء المفتوح، وصارت سرديات النظام قانوناً ومثلاً وحكمةً. اختفت نوادر جحا وحكمه الرائعة وحكم لقمان وأحيقار ومعها الامثال البابلية والاشورية والسومرية،
واختفى حكماء العصور وظهر حكيم واحد سلطوي في كل المناسبات
وبعض الحكم والامثال القديمة صار تداولها همساً من باب الحذر والصمت.
لم يفطن الناس اليوم الى ان جزءاً من ذاكرتهم وثقافتهم اختفى وظهرت ايضا لغة جديدة تعكس الواقع مثل دبل فاليوم عن البيت المرفه، وسطاي عن اللص، قافل عن المتصلب في رأيه، شدوله مغذي عن وضع الشخص في حالة انتظار، قفاص أي المحتال والخ.
اللغة ليست ديكوراً بل تعكس واقعاً وعندما تنحط اللغة الى هذا المستوى، فالوضع مقلق، ومقارنة بالامثال السومرية والبابلية نجد اننا في حالة تدهور واضحة في اللغة وفي طريقة التفكير.
في النظم القمعية والمجتمع المغلق تلعب اللغة الرمزية دورا في المقاومة السلبية للافلات من سلطة الرقابة والعقاب وهذه اللغة المشفرة تبني هوية مشتركة داخل شرائح من الناس بحيث يمكن تداولها بحضور اشخاص من خارج الجماعة دون فهمها لكنها في الوقت نفسه تشوه اللغة الحقيقية وتخلق نظاما ارتيابيا في التفكير والتخيل وانشطار اللغة يؤدي الى انشطار الشخصية وتعددها وانقسامها وفقدانها الذات الطبيعية.
عندما قامت مفرزة من الامن العام بالقبض علي منتصف الليل في 20 مايس 1978 في احد ضواحي بغداد بوشاية من صديق شيوعي خبأته في المكان نفسه تحت التعذيب وجاؤوا به الى مكاني، خلال الحملة على الحركة الوطنية وعلى الشيوعيين ولم أكن عضواً في تنظيم حتى اليوم، سمعت أحدهم يقول لمسؤول المفرزة في الباب ومعه سيارة لانكروز بيضاء كلمة” صدناه” كما لو اننا في غابة وانا أرنب أو غزال وتلك لغة رجال الأمن المشفرة أيضا ويبدو ان الجميع اخترع لغته الخاصة.
كنت قد خبأت بعض الأصدقاء الشيوعيين المطاردين تلك الفترة في ضاحية الفضيلية جنوب بغداد التي لا أحد من الأمن يستطيع دخولها لأنها مسلحة وشوارع موحلة حتى اليوم ــــــــــــــــــــ شيكاغو بغداد ـــــــــ ومن بين الأصدقاء الذين خبأتهم هو الكاتب والصحفي فلاح المشعل الذي لم يستسغ النوم في كوخ للعجول مع السرجين وهو يحلم بتغيير التاريخ في بدلة زرقاء انيقة وقميص أبيض احتفالي يليق بحفل موسيقي وليست خرابة عجل قضيت نصف عام في الاختباء بها وهذه الامكنة ليست غريبة عليّ. بما اننا في زمن اللغة المشفرة أطلق عليها بعض الأصدقاء من الفارين حيث صار من الصعب جدا النوم حتى في الفنادق للتفتيش من الأمن، بـــــــــــــــ” قصر فرساي” للويس الرابع عشر. تاريخ ذلك الكوخ يروي جزءا من تاريخ العراق ومصائر من دخل فيه.
كانت علاقتي مع الشيوعيين بسبب اهتمامات ادبية كلعنة دويستوفسكي وجلاوزته من غوركي الى تولستوي فقط ولم اكن اعرف إلا في المنفى ان بعض هؤلاء ــــــــــــــــــــ بلا تعميم ــــــــــــــــــ هم الفرع السري للعفالقة الحمر في العقلية.
كما ان اللغة المشفرة تخلق فجوة اجتماعية وتصبح جسرا بين جماعات محددة وهذا الانشطار اللغوي لا يتوقف على اللغة بل حفر البنية التحتية للانشطار الاجتماعي والمناطقي والطائفي وحتى اليوم وهذه اللغة المشفرة مستمرة في التوالد لان الظروف لم تتغير جذرياً وسادت كلمات مثل” الربع” أو ” الجماعة” ومثل هذه اللغة المشفرة سادت في الاتحاد السوفيتي واخترعوا” “اللغة الإيسوبية Aesopian Language” نسبة الى الحكيم الاغريقي إيسوب الذي كان يروي قصصاً عن الحيوانات ترمز الى السلطة.
في زمن الاتحاد السوفيتي كانت الكلمة المباشرة تقود الى السجن لذلك اخترعوا كلمات مشفرة مثل أفوسكا التي تعني حرفياً حقيبة لكن المعنى الخفي كرمز عن تردي الوضع الاقتصادي، وعبارة” الأمين المعدني” عن الزعيم غورباتشوف في حملته ضد الكحول، و” رجل الذرة” عن الرئيس خروشوف عن خطته الفاشلة في انتاج القمح، و” راديو بريفان” للسخرية من محطات الاذاعة بلغة مشفرة كطرح سؤال” هل يمكن بناء الاشتراكية في سويسرا؟”.
وهذا يذكرنا بالممثل الاردني زهير النوباني الذي قام بدور شخصية” بطيحان” في مسلسل ” الغربية” عام 1981 وجاء القرار من صدام حسين بمنع المسلسل ومنع تداول كلمة” بطيحان” نظرا للربط بين شخصيته وشخصية صدام في الشر ، ولا حاجة لذكر ان عزة الدوري اخذ حصته الاكبر من اللغة المشفرة والطرائف، كما اختفت بل منعت أغنية” يا صبحة هاتي الصينية” للفنان موفق بهجت بعد أن دخلت الأغنية في صراع سياسي بين الرئيس السوري حافظ الأسد وصدام حسين كصبيان شوارع.
في عراق اليوم لم تتوقف اللغة المشفرة وشملت حتى السيارات مثل جيكسارة وتاهو عن أصحاب النفوذ والتحذير الرمزي” دير بالك لا تجيك التاهو” و مصطلح” الحواسم” ولعبة تقطيع الكلمات في صفحات التواصل للهروب من الرقابة مع حرف انكليزي للتخفي من الراصد الآلي ، و” التقفيص” أي النصب والشطارة و” فضائيين” عن الموظفين الوهميين وصار كلمات مثل بلوكر وفاشينستا مثلاً لا أخلاقياً عن سيطرة هذا الصنف من الحثالات واختفاء النماذج النظيفة.
هذه اللغة الرمزية تختلف في مناطق العراق وتتحور حسب البيئة المحلية حتى صار من لا يفهم هذه اللغة المشفرة خارج التغطية ، أي حسب المعايير المقلوبة لا يعرف ما يدور حوله والمشكلة ليست في المعرفة لان الكل يعرف لكن المشكلة في الفهم اذا كان ما يدور حوله قابلاً للفهم. كيف يمكن تفسير الهراء بالمنطق حسب نيتشه؟