
كتب:هاني الكنيسي
يخوض جيش الاحتلال الإسرائيلي حربًا إعلامية حامية، بعدما اضطر إلى إصدار نفي رسمي عبر منصة “إكس” (X) لما ورد في الفيلم الوثائقي “نازا” NAZA، الفائز مؤخرًا بجائزة “الأسد الذهبي” في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، عن حيثيات خطة عسكرية تم التصديق عليها لتوجيه ضربة في غزة كان يُتوقع أن تودي بحياة نحو 500 مدني.
الجدل المحتدم حول الفيلم “الفاضح” الذي بلغ حد مطالبة وزير الثقافة الإسرائيلي ‘ميكي زوهر’ بسحب الجنسية من مخرجيْه ‘يوفال أبراهام ‘ و’ريتشل زور’ بتهمة “الخيانة”، واصفًا إياهما بأنهما “مستعدان لإيذاء وطنهما مقابل تصفيق معادي للسامية”، تزامن -ويا لعجائب القدر- مع ما نشرته صحيفة ‘هآرتس’ العبرية قبل يومين من “اعترافات” مشغّل المسيّرات في الجيش الإسرائيلي ‘نير’ Nir عن
واقعة تل السلطان في رفح، حين “تعمّد جنود لواء جولاني استهداف سيارات إسعاف واضحة المعالم وقتل من فيها واحدًا تلو الآخر”، بحسب روايته.
وبخلاف الصدفة الزمنية، فإن الرابط المنطقي بين “الجريمتين” لا يكمن فقط في تطابق التفاصيل، بل في تكرار البنية وتوحد النية تحت عنوان: إبادة المدنيين الفلسطينيين مع سبق الإصرار. والفارق “الشكلي” بينهما في نطاق الجريمة ورد فعل المؤسسة الرسمية على فضحها.
فشهادة ضابط توجيه المسيّرات الإسرائيلي ‘نير’ عن “انهيار مبادئ الاشتباك في العقيدة العسكرية” أثناء الحرب على غزة، و”اصطياد ركاب عربات الإسعاف في تل السلطان فردًا فردًا”، اكتفى الجيش بوصفها “خطأ في تحديد الهوية” و”خطأ مهنيًا”، أي حادثة فردية معزولة ناتجة عن تقصير بشري في لحظة معينة.
أما “نازا”، وهو اختصار عبري لعبارة “نيزيك أغيفي” أي “الضرر الجانبي” هو اسم الفيلم الذي أخرجه الثنائي نفسه الذي فاز سابقًا بجائزة الأوسكار عن فيلم “لا أرض أخرى” No Other Land (عن محنة الفلسطينيين المهجرين من ديارهم)، تم تصويره سرًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب خلال حرب الإبادة على غزة، واستند إلى شهادات 24 شخصًا قدّمهم صانعا الفيلم بوصفهم جنودًا وضباط استخبارات سابقين في وحدة “8200”، النخبة الاستخباراتية للجيش الإسرائيلي، تحدثوا بشرط إخفاء هوياتهم.
ويزعم أحد الشهود المجهولين في الفيلم أن جيش الاحتلال استخدم نظامًا رقميًا يحمل اسم “نازا”، لرسم خرائط للمباني في قطاع غزة وتقدير العدد المتوقع من الضحايا المدنيين لكل ضربة مخطط لها، دون تمييز بين البالغين والرضّع، بحيث تُحتسب كل ضحية متوقعة كوحدة واحدة (أي مجرد رقم). ووفقًا للفيلم، فقد بلغت التقديرات المعتمدة للخسائر “الجانبية” المحتملة بين المدنيين الفلسطينيين ما بين 200 و500 ضحية “مقبولة” في ضربة واحدة.
وتداولت منصات السوشيال ميديا جملة أحد الشهود في الفيلم: “لا أعرف كم قُتل فعليًا، لأنهم لا يتحققون من ذلك أبدًا، لكن كانت هناك مرة تمت فيها الموافقة على 500 قتيل”.
وأهم ما يقوله الفيلم أن جرائم قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة ليست من قبيل الأخطاء الفردية المتفرقة أوانفلاتًا ميدانيًا عرضيًا، بل قرارًا مؤسسيًا هيكليًا تتخذه القيادة العليا مسبقًا لتحديد “سقف الضرر الجانبي المقبول”. وهو ما يتقاطع عمليًا مع سلسلة من التقارير السابقة، أشهرها تحقيقات نشرتها مجلة “+972” الإسرائيلية ومنصة Local Call، عام 2024، حول آليات إسرائيلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، يديرها خبراء الوحدة 8200، حملت أسماء مثل “لافندر” و”هبسورا”، وعملت على “توسيع دائرة الأهداف (للقتل) في غزة وتسريع وتيرة الموافقة عليها”.
وفي الصورة الأوسع، تبدو روايتا “نير” و”نازا” وكأنهما تكملان بعضهما البعض: الأولى تصف ما يحدث في اللحظة الأخيرة على الأرض حين يُترجم “كسر القواعد” إلى نيران مسيّرات تقتل بكل دقة (حتى الجرحى والمصابين)، بينما تصف الثانية كيف تُصاغ هذه “القواعد” أصلاً في غرف التخطيط لدى القيادة العليا، بمعاونة واجهات رقمية وأنظمة استخباراتية، دون أي مبالاة بأعداد وصفات الضحايا.