رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : اغفاءة كلب صنعت مصيرنا

“خلال ترسيم الحدود العراقية الصحراوية، كان الكلب نائماً.” * رسالة غيرترود بيل أو الخاتون الى الأب ، فرحةً.
خلال البحث في سجلات ووثائق مرحلة تأسيس الدولة كخلفية للتخيل لكتابة
روايتنا” حقول الخاتون” لاعادة صياغة
التاريخ خارج سرديات السلطة في التفاصيل الصغيرة المهملة التي تصنع الأحداث الكبرى، في المنسي والمسكوت عنه والمقصي وهي المبادئ التي يتأسس عليها فن الرواية، أن تقول ما لا يقال، المخفي، ونحن أحوج ما نكون لبناء ذاكرة مضادة، عثرت على رسالة مرسلة من مس بيل الملقبة
بالخاتون الى والدها تقول فيها مبتهجة وفرحة:
” إنتهيت تواً من ترسيم حدود العراق الصحراوية وكان كلبي نائماً. يا للفرح”.
غروتورد بيل شاركت في صياغة تاريخ الشرق الأوسط وصانعة ملوك
ومنهم الملك فيصل الأول. شخصية تمضي في عدة اتجاهات، رحالة ومستكشفة ومستشرقة وخبيرة عشائر الجزيرة العربية وجاسوسة
عملت مع لورنس العرب وصديقة مقربة منه، وظهرت في لحظة منعطف في تاريخ البشرية:
عالم قديم يتقوض وآخر ينهض.
كان غريباً أن تُعامل إمرأة في عشرينات القرن الماضي بثياب غربية وبلا حجاب بإحترام وتوقير وهي تتمشى في أسواق وشوار بغداد حتى لُقبت بالخاتون وهو لقب يعني السيدة المحترمة في حين كان الرجال لا يعاملون نساء البلد بأقل من هذا الاحترام ولم يتغير الوضع المزدوج في العمق حتى اليوم أمام كل ما هو أجنبي في العلاقات وفي الأدب
والسياسة وفي الفن وفي كل شيء.
لكن هل كان كلب غروترود وحده نائماً في تلك اللحظة المفصلية من تاريخ العراق؟ كان الحظ والناس والصدف والتاريخ نائماً وليس هناك، دائماً، من هو يقظ إلا الخاتون مس بيل وسلالتها المستمرة حتى اليوم. ليلة الانقلاب على الزعيم في الثامن من شباط 63 كان الجميع نائمين عدا السفير البريطاني والامريكي حتى الصباح.
كيف يمكن لإغفاءة كلب أن تكون وقتاً كافياً لترسيم حدود بلاد؟ تم زرع فيه قنابل موقوتة خربت البلاد. ماذا تغير اليوم؟
أحفاد الخاتون أعادوا صياغة سلطة العراق من جديد ولكن ليست
كلابهم نائمة بل نحن. هؤلاء يأتون من طرق التفافية عند الانكشاف،
للمشاغلة والإلهاء وتمرير مشاريع كبرى وهم في العتمة، لكنها العتمة الأكثر وضوحاً.
مفارقة سوداء في أن غروترود الخاتون التي ماتت في شبهة انتحار بعد أن وجدت نفسها وحيدة بلا زواج ولا عائلة وانتهت المهمة، وعلى طاولتها علبة حبوب منومة فارغة ودُفنت في مقبرة الكنيسة في الباب الشرقي،
ساحة الطيران وقد أُهمل القبر بعد الاحتلال الأخير، عثروا على وصية لها توصي بكلبها وليس بالبلاد التي صنعت خرائطها ومصيرها وحدودها وملوكها. حيةً وميتة مصير الكلب أهم من مصيرنا.
غروترود لم تكتب وصيتها في حالة ذهول ونسيان البلاد التي حكمتها فعلياً،
بل لأنها لا تعني لها شيئاً أكثر من الاهتمام بمصير كلب. هذا ما كان سيفعله أي حاكم محتل:
اذا كان كلب الخاتون نائماً في العشرينات، ولم تتأسس الأحزاب والسلطة متمركزة في بغداد ولا أحد يعرف في الأطراف ماذا يدور في مكاتب الحكم ،
فبعد الاحتلال الأخير عام 2003 كان الجميع يغطون في النوم: من الذي كان يقظاً بعد مرور حوال ربع قرن؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى