
صدر حديثا عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع بالقاهرة، كتاب الصحفية والناشرة ولاء أبو ستيت، “حارسات الخلود الخمس.. أوراق أرشيف الخمسة آلاف سنة”، وتشارك به في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال يناير 2027.
يأتي الكتاب كرحلة أدبية وروحية فريدة تتماسّ مع عوالم النفس والتاريخ والأسطورة؛ حيث تنطلق الكاتبة من فكرة «كيمياء الروح» والتشافي بالكتابة والفنون، لتتحول التجربة الذاتية من مواجهة الألم والفقد إلى استنطاق رمزي وتاريخي عميق يستهدف تفكيك الموروثات المشوهة، وتقطير الذهب من رصاص المعاناة.
وينسج الكتاب حواراً رمزياً متخيلاً يجمع الكاتبة في ليل القاهرة بخمس شخصيات نسائية طبعت الوجدان الإنساني والروحي عبر التاريخ:
حواء: أم البشرية الأولى، وحديث التيه، والرغبة في الوجود، والاستخلاف في الأرض.
ليليث: المتمردة التي سُكنت في الظلال وكُبلت بالوصم والاتهام.
إيزيس: الأيقونة المصرية وحاملة البردية وجامعة أشلاء الحقيقة ومجددة الحياة.
مريم المجدلية: الشاهدة على النور الحي، وعطر القيامة (الناردين)، والطهر المكلوم.
السيدة زينب (عقيلة بني هاشم): رئيسة الديوان، المشيرة، رمز الصبر والشهادة على الحق وجامعة الشتات.
تلتئم هؤلاء النسوة ليفتحن مع الكاتبة «أرشيف الخمسة آلاف سنة»؛ لتقديم قراءة مغايرة للوعي الأنثوي، وتوثيق السيرة الحقيقية التي طمستها الروايات المتوارثة، والارتقاء بالنفس نحو التعافي والخلود عبر التمسك بجوهر الحقيقة وقوة الكلمة.
كتاب ولاء أبو ستيت يقع في 64 صفحة من القطع الصغير، ويحمل للقارئ زاوية جديدة لكتابات المؤلفة أشارت إليها في تصديرها تقول:
“ليست مجرد رحلة تشاف بالكتابة والفنون، لكنها بحق قصة حياة تقول: كل ألم مررت به هو مادة خام لذهب لم يكتشف بعد. في خبايا النفس تكمن كيمياء سرية قادرة على تحويل الرصاص النفسي إلى هالة من النور”.
وتضيف ولاء أبو ستيت: “أتوقف عن الكتابة والتدوين برهة، وأشعل شمعة اللافندر الأرجوانية التي صنعتها للمرة العاشرة في محاولات مستمرة لتحسين مهاراتي التي اكتسبتها مؤخرا في صناعة الشموع. أتتحرك لأقلل من درجة الإضاءة عبر إطفاء بعض مصابيح الإنارة، ثم أعود ومعي فنجان قهوة عاشر ربما أو أكثر. فلم أعد أحصي عدد الفناجين التي أعددتها وشربتها”.
وتتابع:”اعتقد أنني بذلك أكسر حدة القلق الممتد والأصوات الصاخبة في دماغي.
قضيت فترة طويلة لفهم حقيقة ما يدور في عقلي وروحي بعد ليال مظلمة كثيرة كنت أخال فيها أنه قد أصابني مس من جنون، حتى وصلت بي التجربة لرحلة دراسة نفسية عميقة، استكشفت معها أجواء كنت أحتاجها، ومسارات في عمق النفس البشرية والضلال التي تواجهها”.
ومن أجواء الكتاب نقرأ “غواية الرغبة”:
بينما تجول حواء بنظرها في الفضاء من حولها، التفتت إلي قائلة:
أكنت تعتبرينها (غواية)؟ أم تُراكِ تحكين عن المتوارث من قول القوم ؟ فجأة، تحرك الهواء بشدة في المكان وكأن عاصفة ما قد قامت .. وأنا لا إراديا نظرت إلى جهاز التكييف المغلق، وفي الوقت ذاته رحت أحاول حماية أوراقي من التشتت.
في تلك اللحظة، أتت من خلفي تلك المرأة الغريبة التي دخلت من الشباك؛ كانت بديعة الملامح، وعنايتها الذاتية بنفسها واضحة وشعرها المتطاير كأنه غابة غناء، أما عيناها فقد أخافتني لشدة سوادهما، وبالمقابل كان كأن شررًا يتطاير منهما. بادرتني بالحديث بضحكات ساخرة:
– غواية ؟! أيعقل أن تطلق على الشغف غواية؟ وكيف تكون المعرفة خطيئة؟ أمنا لم تُغو أحدا يا فتاة الأربعين.. أمنـا فتحت عيني آدم على حقيقته العارية! لولا تلك (الغواية المزعومة، لكنت أنت ذاتك مجرد فكرة صامتة في جنة لا
تاريخ لها ….
قاطعتها حواء بهدوء وقور:
– ألم أقل لكِ تمهلي يا… (لم أنتبه للاسم وقتها)، وقتُكِ لم يحن بعد.
ردت عليها الأخرى بحدة مشوبة بالاحترام :
أيعقل أن تكبحيني هكذا دائما ؟ ألا تعرفين أنك الوحيدة التي أستمع لها وأقر بسلطتها علي ؟ لكني لا أستطيع التوقف أمام هذا الحديث العجيب عن (الرغبة)، فأنا الرغبة في محراب الحياة، وأنا التي وضعوني قسرا في كفة الشر! ألا يكفي أنك تمنعينني طوال هذا العمر عن أي رد عما يقولونه عني؟!.
ولاء أبو ستيت، كاتبة وصحافية مصرية، مختصة بالشؤون العربية والدولية، ناشرة، أسست دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع بالقاهرة، والتي حصلت على جائزة أفضل دار نشر مصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب خلال يناير الماضي، ولها عدد من المؤلفات في فروع معرفية مختلفة.