رؤي ومقالات

د. أيمن منصور ندا يكتب :أن تكون رئيسا لمصر (2-6)

جمال عبد الناصر الرئيس الذي احتكر الخلاص.. وصار أكبر من دولته!

لو قُدِّر لمكيافيللي أن يعيش في أيامنا هذه، وأن يعيد كتابة “الأمير”، ويهديه لرئيس مصري جديد، فربما بدأ وصيته بعبارة واحدة: لا تكن جمال عبد الناصر؛ لا تجعل نفسك أكبر من مؤسساتك، ولا تثق في الرجال أكثر من القواعد، ولا توسِّع أحلامك حتى تصبح أكبر من قدرة دولتك على دفع أثمانها، ولا تحوِّل تقديرك السياسي إلى حقيقة لا يجوز مراجعتها، ولا تجعل هيبتك جزءاً من هيبة الوطن، ولا السياسة أضعف من الأمن، ولا المؤسسة أضعف من الرئيس، ولا الحقيقة أضعف من الصورة.. ولا تبنِ دولةً لا تعمل بكفاءة إلا بوجودك، ولا تترك لمن يأتي بعدك سلطاتٍ لا تكون آمنةً إلا إذا كان في نزاهتك ومواهبك؛ فالدولة التي تُفصَّل على (مقاس رجل استثنائي) لا ترحل برحيله: يذهب الرجل ويبقى (المقاس)، وتموت فضائله الشخصية معه، بينما تبقى السلطات التي وسّعها، وأدوات القهر التي شرعنها، والمؤسسات التي أضعفها جاهزةً لمن يأتي بعده.. قد تكون مثل عبد الناصر وطنياً مخلصاً، ونزيهاً، وشجاعاً، وصاحب مشروع كبير، ثم ترحل مهزوماً شر هزيمة، وخلفك شعب تائه، ومؤسسات ضائعة، وأرض محتلة، واقتصاد مأزوم، وخيبة أمل ثقيلة.. والخلاصة التي ربما كان مكيافيللي سيضع تحتها ألف خط: الحاكم الذي يصبح أكبر من دولته لا يقوّيها؛ بل يؤجّل ظهور ضعفها إلى اليوم الذي يغيب فيه عنها..
وُلد جمال عبد الناصر في الإسكندرية عام 1918 لأسرة من الطبقة الوسطى؛ وتنقّل في طفولته وبعدها في عدة محافظات؛ فعرف مبكراً أكثر من مصر واحدة.. وربما كان هذا التنقل المبكر أحد العوامل التي وسّعت خريطة مصر في وعيه قبل أن تتسع خريطة مشروعه السياسي.. عرف السياسة صغيراً وهو طالب يشارك في المظاهرات المناهضة للاحتلال، قبل أن يدخل الكلية الحربية، ويشهد أزمة 4 فبراير 1942، ويقاتل في فلسطين عام 1948، ثم يؤسس تنظيم الضباط الأحرار.. دخل السياسة، إذاً، من الشارع، ثم الجيش، ثم التنظيم السري؛ وليس من الحزب والبرلمان والانتخابات.. ولذلك ظل فيه (شيء) من عقل الضابط المنضبط، و(أشياء) من عقل رجل التنظيم السري.. ولم يكن ذلك عيباً في ضابط يصنع ثورة؛ لكنه أصبح خطراً حين تحولت قواعد إدارة التنظيم السري إلى فلسفة لإدارة الدولة: ميثاقٌ يرسم رؤيتها، ودستورٌ ينظم حكمها..
كان عبد الناصر، عن حق، “رجل الأقدار” الذي صنعته لحظته بقدر ما صنع هو لحظته.. وكانت مصر مهيأةً لمجيئه: احتلال طويل وإهانة وطنية، وجيش عائد بجراح فلسطين، وملكية فقدت كثيراً من هيبتها، وفوارق اجتماعية حادة، وأبواب للصعود موصدة أمام قطاعات واسعة.. ثم جاء رجل يقول للمصريين إنه يعرف المرض ويملك العلاج، ولم يكتفِ بالقول؛ قدّم إصلاحاً زراعياً، ووسّع التعليم، وفتح أبواب الترقي الاجتماعي، وأمّم القناة، وربط اسمه بالاستقلال والكرامة الوطنية.. لذلك لم تكن شعبيته وهماً صنعه الميكروفون؛ كانت لها مصالح وذكريات وأحلام حقيقية، وكانت هناك جماهير تبحث عن عبد الناصر قبل أن تعرف اسمه.. ولو لم يأت عبد الناصر بشخصه، فربما كانت اللحظة ستبحث عن “عبد الناصر” آخر.. المشكلة بدأت حين تحوّل احتياج المجتمع إلى زعيم إلى اعتقاد بأن الدولة نفسها لا تستطيع أن تعمل بدون هذا الزعيم!
وما أراه وأعتقده هو أن عظمة عبد الناصر كانت جزءاً أساسياً من مشكلته؛ فكثير من عيوبه لم تكن نقيض فضائله، بل كانت فضائله نفسها بعد أن جاوزت حدودها: فالثقة بالنفس التي منحته شجاعة تأميم القناة والانتصار السياسي في 1956 تحولت، مع تكرار النجاح، إلى اليقين بصواب تقديره؛ والوفاء (لأصدقائه وشلته وعصبته) تحول من فضيلة صديق إلى عبء رئيس؛ وحرصه الحقيقي على العدالة الاجتماعية والتعليم والصعود الطبقي امتزج بأبوة سياسية رأت أنَّ منح الناس حقوقاً اجتماعية لا يستلزم منحهم بالقدر نفسه حق تنظيم أنفسهم سياسياً؛ وإحساسه بالكرامة الوطنية تمدد أحياناً إلى هاجس بالهيبة يصعب معه التراجع؛ وموهبته في صناعة الحلم والصورة جعلت النظام أكثر قدرةً على إقناع الناس بما يريد أن يكون عليه الواقع من قدرته على سماع ما كان عليه الواقع فعلاً.. مشكلة عبد الناصر الحقيقية أنَّ نقاط ضعفه لم تكن دائماً عكس نقاط قوته؛ كانت، في أحيان كثيرة، نقاط القوة نفسها بعدما تجاوزت حدودها.. تجاوز ناصر في كثير من خصاله تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل بين الفضيلة وفسادها: بين العقل والجنون، وبين المغامرة والمقامرة، وبين الشجاعة والتهور، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين الحسم والاستبداد، وبين الحلم والوهم.. كان ناصر كل ما تمنيناه جميلاً حتى جاوز حده، فانقلب على نفسه.. وكأنَّ حياته السياسية كلها كانت تطبيقاً قاسياً لقاعدة قديمة: “الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده”..
ويمكننا فهم شخصية عبد الناصر من خلال مجموعة من المفاتيح المتداخلة التي يفتح بعضها باباً إلى بعض.. كان ناصر أقرب إلى “المخلّص المنتظر”: لم يعد يرى نفسه مجرد رئيس لمصر، بل صاحب رسالة، وكأن التاريخ لم يضعه في موقع القيادة فقط، بل كلّفه بمهمة.. ومع هذا الإحساس بالدور نمت ثقة بالنفس راحت، مع تراكم النجاح، تقترب من اليقين بصواب التقدير؛ فقد أقنعه تأميم القناة والخروج السياسي منتصراً من أزمة 1956 بأن جرأة القرار وحدّة الحدس تستطيعان صنع ما يبدو مستحيلاً.. وكان فيه كذلك عقل الضابط ورجل التنظيم السري؛ الثقة في الرجال، والانضباط، ووحدة القيادة، وتقديم الرجل الموثوق به أحياناً على القاعدة التي تضبط الجميع، وهو ما ظهر بوضوح في علاقته الطويلة بعبد الحكيم عامر.. وكانت هناك أيضاً أبوة سياسية رأت المجتمع أبناءً ينبغي رعايتهم أكثر مما ينبغي تمكينهم؛ فوسّع باب الجامعة، وضيّق باب السياسة، ومنح المجتمع حقوقاً اجتماعية واسعة بغير أن يمنحه بالقدر نفسه حق إنتاج قوة سياسية مستقلة عنه.. ثم اتسع طموحه أحياناً أكثر مما تحتمله قدرة الدولة؛ فلم تعد المسألة حماية استقلال مصر وكرامتها فقط، بل امتدت إلى دور عربي وإقليمي واسع، من الوحدة مع سوريا إلى الاستنزاف الطويل في اليمن.. وفوق ذلك كله امتلك موهبة استثنائية في صناعة الصورة وصياغة المعنى الذي يرى الناس من خلاله الأحداث؛ كان يعرف كيف يمنح القرار قصةً، والمشروع حلماً، والهزيمة تفسيراً، لكنه بنى حوله نظاماً كان أكثر كفاءةً في إيصال رؤيته إلى الناس من إيصال الحقيقة غير المرغوبة إليه.. ولهذا كان عبد الناصر بارعاً في قيادة الآخرين، وأقل نجاحاً في بناء نظام يستطيع الآخرون من خلاله أن يقودوه هو إلى الحقيقة..
ومن هذه المفاتيح خرجت أخطاء التجربة الناصرية كلها، كأنها رأس ميدوسا؛ أخطاء قاتلة تكاد تختصر عطب التجربة: شخصن الدولة حتى أصبح تقديره لمصلحة مصر قريباً من أن يكون هو تعريف مصلحة مصر نفسها؛ وقدّم الثقة على القاعدة المؤسسية، فسمح لرجال اختارهم بنفسه بأن يتحول بعضهم إلى مراكز قوة؛ وضيّق المجال أمام الأحزاب والإخوان والشيوعيين وغيرها من القوى المستقلة، فحرم النظام من المعارضة التي كان يمكن أن تنبّهه قبل أن يعاقبه الواقع، وامتد الإقصاء إلى بعض رفاق يوليو أنفسهم؛ فأكلت الثورة أبناءها لأنها لم تقبل طويلاً بأبناء مستقلين عنها.. ووسّع مساحة الحلم والزعامة أسرع من قدرة الدولة على احتمال تكلفتهما، من الوحدة التي لم تصمد في سوريا إلى حرب اليمن التي طال أمدها؛ ثم بنى نظاماً بالغ الكفاءة في نقل إرادة الرئيس إلى أسفل، ضعيف الكفاءة في نقل الحقيقة إليه من أسفل، فانفجرت الفجوة في 1967.. وهكذا تحولت الكاريزما إلى شخصنة، والثقة إلى يقين، والوفاء إلى شِللية، والطموح إلى تمدد، وصناعة المعنى إلى خطر العيش داخل الصورة..
والجديد مع ناصر لم يكن اختراع الاستبداد؛ فقد عرفت مصر قبله ملوكاً يصارعون الدستور، وحكومات تحل البرلمانات، ودولةً شديدة المركزية.. الجديد أنه أعاد صياغة ذلك كله في قالب جمهوري حديث، يكون الرئيس فيه مركز النظام لا مجرد رأسه.. لم تستقر “مصر فاروق” أو “مصر فؤاد” في الوجدان السياسي بالمعنى الذي ظهر به لاحقاً معنى “مصر ناصر”؛ صار اسم الرجل يزاحم اسم البلد، واختلطت هيبته بهيبة الوطن، ومشروعه بمشروع الدولة.. قبل عبد الناصر كان الحاكم، مهما بلغ نفوذه، ينتمي إلى مصر؛ مع عبد الناصر بدأت مصر، في التصور العام، تنتمي إلى الحاكم.. وهكذا اقتربت الجمهورية الجديدة، سياسياً وحرفياً، من معنى مقولة لويس الرابع عشر: “أنا الدولة.. والدولة أنا”.. نجح عبد الناصر في (جمهرة) الاستبداد المصري، وأضفى عليه شرعية الخلاص، وجعله قابلاً للتوريث؛ فصار ناصر، في تقديري، “الأب المؤسس” للقالب الجمهوري السلطوي الذي اختلف خلفاؤه معه في السياسات، لكنهم لم يختلفوا بالقدر نفسه مع فكرته عن السلطة..
وكان أخطر ما أورثه عبد الناصر لهذا القالب مجموعةً من قواعد الحكم التي تجاوزت شخصه: أن تسبق الثقةُ الكفاءةَ أحياناً، فيصبح السؤال عن ولاء المسؤول سابقاً على السؤال عن قدرته؛ وأن يتسع حضور الضباط في مواقع الإدارة المدنية والاقتصادية، فتنتقل إلى الدولة عقلية القيادة والانضباط أكثر مما تنتقل إليها ثقافة المساءلة والتخصص؛ وأن يُؤمَّم الإنجاز باسم الزعيم، ثم تُخصخص الهزيمة باسم الوزير أو القائد أو الجهاز؛ وأن تتحول المؤسسات من أماكن لإنتاج الرأي إلى ساحات لإنتاج التأييد، “أصبحت الحناجر هي العقول” على حد تعبير توفيق الحكيم؛ ثم أن يُحاط الرئيس بطبقات من أهل الثقة والأجهزة والإعلام، فلا يُحجب الشعب عن الرئيس فقط، بل يُحجب الرئيس نفسه عن الشعب الحقيقي.. وهنا تبلغ المركزية أخطر صورها: لا يصبح الرئيس وحده مصدر القرار، بل يصبح أيضاً أسير المعلومات التي يصنعها النظام لإرضائه؛ فتتحول أزمة الحرية في النهاية إلى أزمة معرفة: لم يعد السؤال هل يستطيع الناس قول الحقيقة، أصبح السؤال: هل يستطيع الرئيس نفسه أن يعرفها؟
ثم جاءت يونيو 1967، لا كهزيمة عسكرية فحسب، بل كلحظة اصطدام قاسية بين الصورة والواقع.. وتأتي المفارقة الأعجب: قبل يونيو كان عبد الناصر ضرورياً لتحقيق النصر، وبعد يونيو أصبح ضرورياً للخروج من الهزيمة! كان، في الحالتين، صاحب الخلاص: مرةً بوصفه الرجل الذي سيحقق الحلم، ومرةً بوصفه الرجل الوحيد القادر على إصلاح الكارثة التي تسبب فيها.. ومع ذلك، لم يكن عبد الناصر عاجزاً عن التعلم؛ فعندما أصبحت الحقيقة أكبر من أن تُحجب، تعلّم منها.. لكنه تعلّم من الهزيمة ما يكفي لإعادة بناء الجيش، ولم يتعلم منها بالقدر نفسه إعادة بناء السياسة؛ غيّر الرجال أكثر مما غيّر النظام الذي اختار الرجال، وأصلح المؤسسة التي هُزمت في الميدان أكثر مما أصلح المؤسسات التي عجزت عن تحذيره قبل الهزيمة.. وربما كان تغيير الرجال أسهل عليه من تغيير فلسفة الحكم نفسها..
تصدعت أسطورة العصمة في يونيو 1967، ومات عبد الناصر نفسه في سبتمبر 1970، لكنَّ دراويش الناصرية رفضوا أن يسمحوا للرجل بأن يدخل التاريخ؛ أبقوه حياً في الضريح، وأقاموا حول ذكراه “موالد” لها “طقوس” و”أوراد”.. صار لعبد الناصر تقويمه الخاص: مولد في يناير، ومولد في يوليو، ومولد في سبتمبر، وما بين الموالد موالد أخرى، وأوراد لا تنقطع؛ يرفع الناصريون الصور، ويستعيدون الخطب، ويرددون الكلمات، حتى كاد التاريخ عند بعضهم يتحول من مجال للمراجعة إلى موسم للزيارة وللتبرك.. والمفارقة أن هيكل، أقرب رجال الكلمة إلى عبد الناصر، كتب بعد أربعين يوماً فقط من رحيله مقاله الشهير: “عبد الناصر ليس أسطورة”؛ كأنه كان يحذر مبكراً من أن يتحول الزعيم إلى صنم سياسي، والتجربة إلى عقيدة لا تُراجع.. لكن كثيراً من الناصريين فعلوا بعد ذلك عكس ذلك تماماً: أساءوا إلى ناصر أكثر مما أساء إليه خصومه.. ودافعوا عن الناصرية حتى جعلوها عاجزةً عن مراجعة عبد الناصر نفسه.. وهكذا انتهى مشروع وُلد ثورياً، عند كثير من أنصاره، إلى طقس محافظ على الذاكرة: صورة تُرفع، وخطبة تُعاد، وزعيم لا يجوز إخضاعه للمشرط الذي أخضع به هو المجتمع كله.. ولهذا يحق لنا القول باطمئنان تام: دراويش الناصرية في نعيم!
لم تكن مأساة مصر في مجيء عبد الناصر؛ فقد احتاجت لحظة ما بعد الملكية إلى رجل يهدم النظام القديم، ويسترد القرار الوطني، ويفتح أبواباً أُغلقت طويلاً.. المأساة أن الرجل الذي كان ضرورياً لهدم ذلك النظام، صار هو نفسه نموذجاً لنظام جديد يصعب هدمه؛ لم يكن الخطأ أن يأتي عبد الناصر، بل أن يتحول من لحظة في التاريخ إلى طريقة للحكم، ومن زعيم استثنائي إلى نموذج دائم للرئيس الأب الذي يعرف ويقرر ويحمي، بينما تبقى الأمة في موقع الابن القاصر: لا يقرر لنفسه، ولا يحق له تقرير مصيره.. كان ناصر زعيماً كبيراً بنى دولةً أصغر من زعامته؛ فغاب الرجل وبقيت الوصاية، ومات الأب، وبقيت جمهوريته أسيرةً لأدوات الاستبداد التي خلَّفها..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى