كتاب وشعراء

القصيدةُ حين تستعيدُ حياءَها: قراءةٌ في نص «يا سائل الأطلال عن خجل القوافي» للأديبةِ السورية السامقةِ: مي عسّاف.. بقلم الناقدة اللبنانية القديرة: ليلى صليبي

يا سائل الأطلال عن خجل القوافي
بقلم: مي عساف

يا سائل الأطلال عن خجل القوافي
حُييتَ من طلل تلاشى عهده!!
يا سائلاً عن هيبة الحبر النظيف
كيف مات الطهر في وضح المعاني؟
قف لنبكِ معاً جرح الفضيلة!
قف واسأل معي:
هل غادر النبلُ القلوبَ
كما غادر الشعراء من متردم؟
هل مات الحياء الذي كان ناصعاً في مداد أنثى تسكن في بيت القصيدة؟
أم هل أضعت سبل القوافي
بعد تشرذم؟
****

مرحباً..
بعض النساء يكتبن ليجمّلن وجه الحياة.. يمسحن بمنديل البوح عرقَ أحلامهنّ القديمة وهي تحنُّ لحكايا فرح!!
يبللن بندى الحروف جفاف العمر فتشعر وكأنّ الكلمات في نصوصهن
لا تقف على السطور بل تقف على أوتاد الدهشة !!
ينقّبن في سيناء البوح عن ألواح الطمأنينة وبمنتهى الرقّة يرممن بحرير المجاز تصدّع الطين في بناء المعنى الخجول..! يزرعن خلف البكاء الأخير بياراتٍ من الصمت لتحصد فيها الريح الكثير من خيبات العمر السرّية..
يبقرن فضاء الملل بسيف الشعر ليشرقن فيه تارةً بشمسٍ دافئة
وتارةً يعبرن فيه كحلم محمّلٍ بغيوم تزخّ قصائدَ المطر!!

أما البعض وللأسف اعتقدن أنّ طرق أبواب الشعر بلغة الابتذال واعتماد الحبر الرخيص هو شكل من أشكال الإبداع والتفرّد فرحن يبالغن بتعرية الكلمات من أثواب الحياء بحثاً عن ضجيج الإعجابات الكاذبة وزيف التعليقات البرّاقة!!
نحرن خجل الكلمات بسكين البذاءة وجعلنه قرباناً رخيصاً لوهم شهرة خدّاعة
وتواجد أجوفٍ فجّ ..
لهؤلاء أقول:
ردّوا للحروف احتشامها وأعيدوا للكلمات عباءة وقارها فليست الحشمة حكراً على الثياب إنما هي أيضاً حشمة حرفٍ وأسلوب وحشمة أميرة حرّة تسمّى القصيدة لا يليق بها العري..

وأما لمن تبعهنّ من الغاوين فأقول:
أيُّها الشاعر الموقّر ليست الهيبة مرتبطة بما تنشره على متصفحك فقط،
بل فيما تتركه من أثر عميق في تعليقاتك السخيَّة على صفحات نساء سمحن للفجور ان يتصدّر البيان علانيةً ويدسّ ظلام قبحه في وجه القصيدة..

على الهامش:
وُجدت الكتابة لتمنحنا أجنحة نرفرف بها وتحمينا من السقوط،
لا لتجعلنا نتمرّغ في قاعه.
Mai Assaf

القراءةُ النقديةُ:
ينفتحُ النصُّ على عتبةٍ تراثيةٍ ذاتِ حمولةٍ شعريّةٍ واضحةٍ: «يا سائل الأطلال»، وهي صيغةٌ تستدعي مباشرةً ذاكرةَ القصيدةِ العربيةِ القديمةِ، ولا سيّما الوقوفُ على الأطلالِ بوصفِه استدعاءً للماضي واستنطاقاً لما اندثرَ من القيمِ والآثارِ.
غير أنّ الطللَ هنا لا يُحيلُ إلى مكانٍ مهجورٍ فحسبُ، بل يتحوّلُ إلى رمزٍ لقيمٍ شعريّةٍ وأخلاقيةٍ آخذةٍ في التلاشي؛ فالذي تلاشى ليس العهدُ وحدَه، وإنّما شيءٌ من هيبةِ الكلمةِ وحياءِ القصيدةِ.
ومنذُ المطلعِ تتأسّس المفارقةُ المركزيةُ في النصِّ بين “الحبرِ النظيفِ “و”موتِ الطهر” وبين القوافي التي يفترضُ أن تكونَ موطناً للجمالِ، وبين ما أصابَ بعضُها من ابتذالٍ. وهكذا تنتقلُ الكاتبةُ من سؤالِ الشعرِ إلى سؤالِ القيمةِ، ومن نقدِ الأسلوبِ إلى مساءلةِ العلاقةِ بين الإبداعِ والمسؤوليةِ.
وتبرزُ في قولِها:
«قف لنبكِ معاً جرح الفضيلة!»
استعادةٌ واضحةٌ لروحِ الموروثِ الشعري، لكنّها ليستْ استعادةً شكليةً؛ إذ تتحوّلُ البكائيةُ القديمةُ من رثاءِ الأطلالِ إلى رثاءِ الفضيلةِ. وهذه النقلةُ تمنحُ النصَّ بعدَه الفكري، وتجعلُ الماضي الشعري مرآةً للحاضرِ الثقافي.
بين الأطلالِ والمتردمِ: حوارٌ مع الذاكرةِ الشعريةِ
يستثمرُ النصُّ التناصَ بطريقةٍ واعيةٍ، فيستحضرُ عبارةَ امرئِ القيسِ:
«هل غادرَ الشعراءُ من متردمِ؟»
ليعيدَ توظيفَها ضمنَ سؤالٍ معاصرٍ: هل غادرَ النبلُ القلوبَ كما غادرَ الشعراءُ من متردمِ؟
هنا لا يصبحُ التناصُ مجرّدَ زينةٍ ثقافيةٍ، بل يتحوّلُ إلى أداةٍ للمقارنةِ بين زمنيْنِ: زمنٍ كانتْ فيه القصيدةُ تحملُ ذاكرةً وقيمةً وجمالاً، وزمنٍ ترى الكاتبةُ أنَّ بعضَ ممارساتِه الكتابيةِ قد جعلتِ الشهرةَ والانتشارَ غايةً تتقدّمُ على القيّمةِ الفنيّةِ.
كما أنَّ توظيفَ عبارةِ «بيتِ القصيدةِ» في سياقِ الحديثِ عن «أنثى» يضاعفُ مستوياتِ الدلالةِ؛ فالمرأةُ والقصيدةُ تتجاوران في المخيالِ النصي، وكلتاهما تستحقان الحمايةَ من الابتذالِ، لتصبحَ القصيدةُ ذاتُها كياناً أنثويَّاً رمزيَّاً ينبغي أن يصانَ.

المرأةُ بين الكتابةِ والتشيّيءِ:
من أكثرِ المحاورِ أهمية في النصِّ التفريقُ بين نمطين من الكتابةِ النسائيةِ.
في القسمِ الأوّلِ، تقدّمُ الكاتبةُ صورةَ المرأةِ التي تكتبُ كي:
«تجمّلَ وجهَ الحياةِ»
وتحوّلَ البوحَ إلى وسيلةٍ للترميمِ النفسي والجمالي. فهذه المرأةُ لا تهربُ من الألمِ، بل تعيدُ تشكيلَه فنّيَّاً، ولذلك تتوالى الصورُ:
«ينقّبن في سيناء البوح عن ألواح الطمأنينة»
و:«يرممن بحرير المجاز تصدّع الطين في بناء المعنى»
و: «يزرعن خلف البكاء الأخير بياراتٍ من الصمت»
وهي صورٌ تقومُ على تحويلِ التجربةِ الإنسانيةِ إلى مادةٍ جماليةٍ. الألمُ يصبحُ طيناً يُرمَّم،ُ ،والصمتُ يصبحُ أرضاً تُزرعُ، والبوحُ يتحوّلُ إلى فضاءٍ مقدّسٍ يُستعادُ فيه شيءٌ من الطمأنينةِ.
وتتّسمُ هذه الصورُ بتراسلٍ حسيٍّ لافتٍ؛ فهناك حريرٌ، وندى، وجفافٌ، ومنديلٌ، وبياراتٌ، وشمسٌ، وغيومٌ، ومطرٌ. وهذا المعجمُ الطبيعي والحسي يجعلُ الكتابةَ فعلًا حيَّاً، لا مجرّدَ تراصفٍ للألفاظِ.
الكتابةُ بوصفِها خلاصاً لا سقوطاً
تبلغُ الصورةُ ذروتَها في:
«يبقرن فضاء الملل بسيف الشعر»
فالشعرُ هنا ليس ترفاً لغويّاً، بل فعلُ مقاومةٍ. إنّه يشقُّ فضاءَ الرتابةِ كي يفتحَ نافذةً للضوءِ والمطرِ والحياةِ.
وتتكرّرُ ثنائيةُ الجفافِ/الندى، البكاء/المطر، الملل/الشمس، الصمت/البوح، لتؤسّسَ بنيةً دلاليّةً قائمةً على الانتقالِ من العتمةِ إلى النورِ، ومن الانكسارِ إلى الترميمِ.
وبذلك تبدو الكتابةُ في صورتِها المثلى فعلَ إنقاذٍ: تنقذُ الذاتَ من جفافِها، والتجربةَ من عبثيتِها، والكلمةَ من موتِها.
من جمالِ المجازِ إلى ابتذالِ الخطابِ:
بعد هذا البناءِ الشعري الرقيقِ، يحدثُ انعطافٌ حادٌّ مع عبارةِ:
«أما البعض وللأسف…»
وهنا ينتقلُ النصُّ من فضاءِ التأمّلِ الشعري إلى فضاءِ الخطابِ النقدي المباشرِ.
وتعتمدُ الكاتبةُ في هذا الجزءِ على معجمٍ شديدِ الكثافةِ في الدلالةِ الأخلاقيّةِ: الابتذالِ، الحبرِ الرخيصِ، تعريةِ الكلماتِ، البذاءةِ، الشهرةِ الخداعةِ، التواجدِ الأجوفِ.
واللافتُ أنّ النصَّ يستخدمُ استعارةَ اللباسِ والعري ليبنيَ موقفَه من اللغةِ؛ فالكلماتُ عند الكاتبةِ لها ثيابٌ، ولها احتشامٌ، ولها وقارٌ. ومن ثمَّّ تأتي العبارةُ:
«ردّوا للحروف احتشامها وأعيدوا للكلمات عباءة وقارها»
لتكونَ بمثابةِ خلاصةِ رؤيتِها الجماليةِ: اللّغةُ ليستْ محايدةً؛ فطريقةُ استخدامِها تكشفُ رؤيةَ الكاتبِ للإنسانِ والجمالِ والقيمةِ.
ثنائيةُ الجمالِ والضجيجِ:
يُقيمُ النصُّ تقابلاً واضحاً بين الإبداعِ الحقيقي وضجيجِ الإعجاباتِ.
فالكتابةُ الرفيعةُ، في منظورِ النصِّ، تُقاسُ بما تضيفُه إلى الحياةِ، لا بعددِ التفاعلاتِ التي تحصدُها. ومن هنا تصبحُ عبارةُ:
«ضجيج الإعجابات الكاذبة»
نقداً لثقافةِ التلقي السريعِ التي قد تجعلُ التفاعلَ الرقمي معياراً للقيمةِ الأدبيةِ.
وهذا يقودُ إلى فكرةٍ مركزيةٍ: حين تصبحُ الشهرةُ غايةَ أن تتحوّلَ الكتابةُ من فعلٍ إبداعيٍّ إلى أداءٍ استعراضيٍّ.
مخاطبةُ الشاعر: المسؤوليةُ لا تنتهي عندَ حدودِ النصِّ
لا يكتفي النصُّ بمساءلةِ بعضِ الممارساتِ الكتابيةِ النسائيةِ، بل يوسّعُ دائرةَ المسؤوليةِ لتشملَ المتلقي أيضاً:
«وأما لمن تبعهن من الغاوين فأقول…»
وهنا تنتقلُ الكاتبةُ من مسؤوليةِ الكاتبِ إلى مسؤوليةِ التفاعلِ الأدبي.
فالكاتبُ، وفقَ الرؤيةِ التي يقترحُها النصُّ، لا يُقرأُ فقط من خلالِ ما يكتبُه، بل أيضاً من خلالِ نوعِ الخطابِ الذي يشاركُ في إنتاجِه عبرَ تعليقاتِه ومواقفِه وتفاعلاتِه.
وهذه النقطةُ مهمةٌ لأنّها تنقلُ النصَّ من مجرّدِ نقدٍ لأسلوبٍ كتابيٍّ إلى مساءلةِ المنظومةِ الثقافيةِ المحيطةِ بالإبداعِ: الكاتبِ، والقارئِ، والمعلّقِ، والمنصةِ، والجمهورِ.
المفارقةُ بين «الحبرِ النظيفِ» و«الحبرِ الرخيصِ»:
من أجملِ المفاتيحِ البنيويةِ في النصِّ ثنائيةُ الحبرِ:
الحبرُ النظيفُ / الحبرُ الرخيصُ.
الأوّلُ يحملُ معنى النزاهةِ والجمالِ والصفاءِ، والثاني يحملُ معنى الابتذالِ وتسليعِ الكلمةِ.
وهذه الثنائيةُ تمتدُّ إلى ثنائياتٍ أخرى:
الحياء / البذاءة
النبل / الابتذال
الجمال / الضجيج
العمق / الأجوف
الترميم / السقوط
النور / الظلام
القصيدة / الاستعراض
ومن خلالِ هذه التقابلاتِ يبني النصُّ موقفَه الجمالي والفكري بصورةٍ متماسكةٍ.
لغةُ النصِّ وصورُها:
النصُّ غنيٌّ بالاستعاراتِ المركبةِ والتشخيصِ، ومن ذلك:
«خجل القوافي»
«مات الطهر في وضح المعاني»
«جرح الفضيلة»
«تبللن بندى الحروف جفاف العمر»
«سيناء البوح»
«ألواح الطمأنينة»
«حرير المجاز»
«بيارات من الصمت»
«سيف الشعر»
«عباءة وقارها»
وتمنحُ هذه الصورُ النصَّ طاقةً شعريةً عاليةً، حتى في المقاطعِ النثريةِ، إذ لا تكتفي الكاتبةُ بالقولِ المباشرِ، وإنما تجعلُ المفاهيمَ المجرّدةَ محسوسةً ومرئيةً.
ويُلاحظُ كذلك حضورُ الحقلِ الديني والتراثي: سيناء، الألواح، الطهر، الفضيلة، القربان، الغاوين، وهو حضورٌ يمنحُ الخطابَ بعداً رمزيَّاً ويضفي على قضيةِ الكتابةِ مسحةً تتجاوزُ الذوقَ الفردي إلى مفهومٍ أوسعَ عن القداسةِ الرمزيةِ للكلمةِ.
ما وراءَ النصِّ:
وراءَ الاحتجاجِ الظاهرِ على الابتذالِ سؤالٌ أعمقُ: ماذا يبقى من الأدبِ حين تنفصلُ الحريةُ الإبداعيةُ عن المسؤوليةِ الجماليةِ؟
النصُّ لا يناقشُ العري بمعناه الحرفي فقط، بل يجعلُ منه استعارةً عن تعري اللغةَ من قيمتِها، وعن فقدانِ النصِّ لقدرتِه على الإيحاءِ حين يستبدلُ الجمالَ بالإثارةِ المباشرةِ.
وفي المقابلِ، لا يدعو النصُّ إلى الصمتِ أو إلى كبتِ التجربةِ الإنسانيةِ، بل يطرحُ ضمنيًّا فكرةً أكثرَ دقةٍ: يمكنُ للكاتبِ أن يقولَ الكثيرَ دونَ أن يفقدَ الفنُّ احترامَه، وأن يقتربَ من المناطقِ الحساسةِ في التجربةِ الإنسانيةِ دونَ أن يحوّلَها إلى سلعةٍ لغويةٍ.

الخاتمةُ:
ينتهي النصُّ بجملةٍ تختصرُ فلسفتَه كلّها:
«وُجدت الكتابة لتمنحنا أجنحة نرفرف بها وتحَمينا من السقوط، لا لتجعلنا نتمرغ في قاعه.»
إنّها ليستْ مجرّدَ خاتمةٍ بلاغيّةٍ، بل بيانٌ جماليٌّ يعلنُ تصوّرَ الكاتبةِ لوظيفةِ الأدبِ: أن يرتقيَ بالإنسانِ دونَ أن ينكرَ ألمَه، وأن يمنحَ التجربةَ شكلاً فنيَّاً دونَ أن يفرغَها من كرامتِها.
وهكذا تتحوّلُ الأطلالُ في البدايةِ إلى فضاءٍ رمزيٍّ لفقدانِ القيمِ، بينما تصبحُ الأجنحةُ في النهايةِ رمزاً لإمكانِ استعادتِها. وبين الطللِ والجناحِ يتحركُ النصُّ كلُّه: من رثاءِ ما تراجعَ إلى الدعوةِ لاستعادةِ مكانةِ الكلمةِ.
إنّها كتابةٌ احتجاجيةٌ ذاتً حسٍّ شعريٍّ واضحٍ، تجمعُ بين التراثِ والتناصِ، والصورةِ والاستعارةِ، والبعدِ الأخلاقي والجمالي، والنقدِ الثقافي، وتضعُ القصيدةَ أمامَ سؤالٍ لا يخصُّ شكلَها وحدَه، بل جوهرَ رسالتِها: أيُّ أثرٍ نريدُ للكلمةِ أن تتركَه بعدَ أن ينطفئَ ضجيجُها؟

الأديبةُ الراقيةُ” مي عسّاف”، لكِ خالصُ الشكرِ والتقديرِ على هذا النصِّ الجميلِ وما حملَه من عمقٍ وإحساسٍ. سعدتُ بمرافقةِ حروفِكِ وقراءةِ ما بين سطورِها، فدمتِ مبدعةً، ودامَ يراعُكِ نابضاً بالجمالِ.

بقلم الأديبة والناقدة المبدعة: ليلى صليبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى