تاريخ العرب

سيف الله المسلول يخرج من غمده

في مطلع السنة الثامنة للهجرة، كان الهدوء يعمّ المدينة المنورة، حتى هبّت ريح الغضب من الشام.
جاء فارسٌ متعثّر الخطى يحمل خبرًا يقطّع نياط القلب:
الحارث بن عمير الأزدي، رسول النبيّ ﷺ، قُتل صلبًا على يد شرحبيل بن عمرو الغساني، والي الروم على #الأردن.
لم يكن الحارث يحمل سيفًا، بل كتابًا ، دعوةً إلى حاكم بصرى، فكان جزاؤه أن يُرفع على خشبة ،
لم يبكِ رسول الله ﷺ طويلاً، بل مسح دمعته وقال بصوتٍ يزلزل الأرض:
«ليس دمُ مسلمٍ بعد اليوم هينًا».
ثم نظر إلى أصحابه وقال:
«من يأخذ ثأر أخيه؟»
تطوّع ثلاثة آلاف رجل، أكبر جيشٍ خرج من #المدينة حتى ذلك اليوم.
ودّعهم النبيّ ﷺ عند ثنية الوداع وقال:
«إن قُتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب،
فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة،
فإن قُتلوا جميعًا فليختار المسلمون رجلاً يصلح لهم».
ثم رفع يديه يدعو:
«اللهم انصرهم، وارزقهم الصبر والنصر، أو الشهادة والجنة».
سار الجيش شمالًا عبر الصحراء حتى بلغ #مؤتة جنوب الكرك.
هناك، عند مشارف البلقاء، رأوا منظرًا يقشعرّ له الجلد: مائتا ألف مقاتل من جند الروم وحلفائهم العرب، كأن الأرض أخرجت جندها كلهم في يوم واحد.
قال زيد بن حارثة وهو يشهر سيفه:
«يا قوم، إما جنةٌ عرضها السموات والأرض، وإما نصرٌ يسمع به التاريخ».
اندفع زيد فاستُشهد أولاً، فسقط اللواء من يده.
تناوله جعفر بيمينه، فقطعت يمينه، فأمسكه بيساره، فقطعت يساره، فاحتضنه بصدره حتى اخضّب الدم ثوبه الأبيض.
وقال وهو يلفظ أنفاسه:
«يا للجنة وما أقربها وأطيب ريحها!»
ثم فاضت روحه.
أمسك عبد الله بن رواحة اللواء، وأنشد وهو يقاتل:
يا نفسُ إلاّ تُقْتَلي تموتي
هذا حمامُ الموتِ قد صَلِيتِ
وما تمنّيتِ فقد أُعطيتِ
إن تفعلي فعلَهما هُديتِ
ثم استُشهد، فسقط اللواء للمرة الثالثة.
في تلك اللحظة الحرجة تقدّم رجلٌ لم يكن أحد يتوقع أن يقود يومًا جيش المسلمين:
خالد بن الوليد، سيف الله المسلول الذي سُلّ من غمد قريش قبل أشهر فقط.
قال بصوت يشبه الرعد:
«اليوم ليس يوم هزيمة، بل يوم حيلة».
في الليل أمر خالد مجموعة صغيرة أن تختفي خلف التلال، ثم تعود عند الفجر رافعة الغبار، مهلّلة مكبّرة، كأنها مدد جاء من السماء.
وفي الصباح قلب ميمنة الجيش ميسرة وميسرته ميمنة، والمقدمة مؤخرة، حتى ظن الروم أن جيشًا جديدًا نزل عليهم.
ثم هجم بنفسه على قلب جيش الروم فكاد يقتل قائدهم، لكنه أراد إرعابه لا قتله.
عند الظهيرة بدأ الانسحاب المنظّم خطوة خطوة، درعًا درعًا، كأن الجيش يمشي إلى الوراء ووجهه للأمام.
تردد الروم في المطاردة، وقال قائدهم:
«إن كانوا يفرّون فلماذا لا نرى ظهورهم؟ وإن كانوا يهجمون فلماذا يتراجعون؟»
فتركوهم يمضون.
عاد الجيش إلى المدينة وقد خسر ثلاثة عشر شهيدًا فقط، بعد أن صمد سبعة أيام أمام مائتي ألف.
لكن أطفال المدينة رجموهم بالحجارة وهم يصرخون: «يا فرّار! يا فرّار!»
خرج النبيّ ﷺ باكيًا، فاحتضن خالدًا وقال بصوت يسمعه الجميع:
«كلاّ، بل هم الكرّار إن شاء الله… سيعودون فيقاتلون من جديد».
ثم رفع يديه وقال:
«اللهم إن خالدًا سيفٌ من سيوفك، فانصره على عدوك وعدوهم».
كان ذلك اليوم بداية أسطورة تُروى إلى يوم القيامة:
أول جيش إسلامي يخرج خارج جزيرة العرب،
ويعود منتصرًا… ولو لم يرفع راية النصر،
فرفع راية العزّة التي لا تنكس أبدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى