
ما كانَ إلَّا ظلًّا
ظلًّا أطالَ الإصغاءَ
إلى البابِ الذي تتركُه الرِّيحُ مواربًا
بين منفى ومنفى.
خرجَ من نهارٍ
تكسَّرتْ أسنانُه على الحجرْ،
ومن أمٍّ
كانتْ تخيطُ الجهاتِ بخيطِ الدُّعاءِ
كي لا يتسرَّبَ الوطنُ
من ثقوبِ الغيابْ.
في دمِه
كانتِ القرى العجائزُ
تحملُ أبوابَها على ظهورِها
وتتابعُ هجرتَها نحو المجهولْ.
وفي عينَيْه
كانتِ النوافذُ المقتلَعةُ
تبحثُ عن جدارٍ أخيرٍ
تتَّكئُ عليه قبلَ السقوطْ.
لم يرَ السورَ يومًا،
لكنَّ السورَ
كانَ ينمو كلَّ ليلةٍ
في حنجرةِ الضَّوءْ،
ويكبرُ بين شهيقِ طفلٍ
وزفرةِ أمٍّ
تعدُّ أبناءَها
كما يُعدُّ الفقيرُ
ما تبقَّى له من نجومْ.
لم يعرفِ الجنودْ،
لكنَّهُ كان يسمعُ وقعَ أحذيتِهم
في قمحِ الحكاياتْ،
وكان يرى الظلَّ الطويلَ
لبندقيَّةٍ بعيدةْ
يمرُّ على وجهِ الماءِ
فتشيخُ الينابيعْ.
وذاتَ غضبٍ
ضاقتِ الأرضُ بما يكفي
ليصيرَ القلبُ طريقًا،
ويضيقَ الجسدُ
عن جميعِ جراحِه.
فألقى وراءَه أسماءَه الكثيرةْ،
تلكَ الثيابَ التي أرهقَها النداءْ،
ومشى.
كانتِ الأوديةُ
تفتحُ له دفاترَها الحجريَّةْ،
وكانتِ الصخورُ
تُزيحُ عن ذاكرتِها الطحالبَ
كي تقرأَ له
سِيَرَ الذين عبروا
ولم يعودوا.
وكانَ الليلُ،
ذلكَ الراعي الأعمى،
يقودُه بعصاه السوداءِ
إلى جهاتٍ
نسيَتْها الخرائطُ
وحفظَتْها النجومْ.
نامَ قليلًا.
فنامتْ إلى جوارِه الأشجارْ،
كأنَّها قافلةُ حُرَّاسٍ قدامى.
وكانَ القمرُ
يبدِّلُ ضماداتِه البيضاءَ
فوقَ كتفِ الجبلْ،
ويغسلُ وجهَ السماءِ
من غبارِ الرصاصْ.
وحينَ استفاقْ
كانتِ البلادُ البعيدةُ
تتدلَّى من روحِه
كعنقودِ جراحْ،
وكانتِ الأنهارُ
تجري في صدرِه
باحثةً عن مصبٍّ
لا تحرسُه البنادقْ.
رأى البيوتْ.
لم تكن بيوتًا.
كانتْ أصدافًا فارغةً
يناديها البحرُ
بأسماءِ أصحابِها.
وكانتِ الأرصفةُ
تجلسُ وحيدةً
كأمَّهاتٍ نسينَ
لمن كنَّ يخبزنَ الخبزْ.
ورأى الطرقاتْ.
لم تكن طرقاتْ.
كانتْ شرايينَ قديمةً
تواصلُ ضخَّ الغيابْ،
وتحملُ في أعماقِها
خطواتِ الراحلينَ
كأنَّهم لم يغادروها قطْ.
اقتربْ.
وضعَ يدَه على الترابْ.
فارتفعتْ من نومِها
أجنحةُ الذين مرُّوا قبلهْ.
وكانَ كلُّ جناحٍ
يحملُ ختمَ جرحٍ قديمْ،
وكلُّ جرحٍ
يفتحُ نافذةً
على جرحٍ أقدمْ.
عندها أدركْ
أنَّ المسافةَ
ليستْ بين مكانينْ،
بل بين خوفٍ وخطوةْ،
وأنَّ الخطوةَ الأولى
هي المعجزةُ الوحيدةُ
التي يقدرُ عليها البشرْ.
فعبرْ.
وكانَ العبورُ
جرحًا يفتحُ بابًا في الجدارْ.
وكانَ الجدارُ
جرحًا آخرَ
يحاولُ أن يتذكَّرَ
الحجرَ الأوَّلْ.
هناكْ
حيثُ يكثرُ الحديدُ
ويقلُّ المعنى،
وقفَ وحيدًا.
وحيدًا
إلى درجةِ أنَّ الأرضَ
وقفتْ إلى جوارِه.
وإلى درجةِ أنَّ الغيابَ
وضعَ يدَه على كتفِه
ومشى معه.
ثمَّ سقطْ.
لا.
سقطَ الجسدُ فقطْ.
أمَّا خُطاهُ
فواصلتْ سيرَها.
رآها الترابُ
فحفظَ شكلَها.
ورأتها النارُ
فخبَّأتْها في رمادِ الجهاتْ.
ومن دمِه
خرجَ خيطٌ أحمرُ طويلْ،
لا يشبهُ نهرًا،
بل يشبهُ ذاكرةً
عثرتْ أخيرًا
على الطريقِ إلى نفسِها.
وكانَ يصعدُ في الهواءِ
هادئًا
كصلاةٍ
فقدتْ كلماتِها
واحتفظتْ بمعناها.
ومنذُ ذاكَ اليومْ
كلَّما ضاقتِ الأرضُ بأحدْ
سمعَ في البعيدِ
خفقًا خافتًا
يشبهُ قلبًا
يواصلُ عملَه
تحتَ أنقاضِ العالمْ.
وكانتِ الأمُّ
إذا نادتِ ابنَها المتأخِّرَ عن العودةْ
يرتعشُ في صوتِها
بابٌ قديمْ.
وكانَ القمحُ
ينحني كلَّما مرَّتِ الريحُ،
لا خوفًا منها،
بل كأنَّهُ يحيِّي عابرًا
لا يراه أحدْ.
أمَّا الترابُ
فكانَ كلَّما ابتلعَ اسمًا
أعادَه شجرةً.
وكلَّما ابتلعَ جسدًا
أعادَه طريقًا.
حتى ظنَّ الناسُ
أنَّ الطرقاتِ
تنبتُ وحدَها،
وأنَّ الجهاتِ
تعرفُ سبيلَها وحدَها.
ولم يعلموا
أنَّ في أعماقِ الأرضِ
خطوةً واحدةً
ما زالتْ
تُكملُ مشيَها.
بقلم: عبدالكريم بعلبكي
لبنان