
ــــــ أنا حر يا زوربا ؟
ــــــ كلا.. لست حرًا، كل ما في الأمر أن الحبل المربوط حول عنقك أطول قليلاً من حبال الآخرين ـــ رواية: زوربا اليوناني، كازنتزاكي.
دخلت دورة لتعلم الحياة الخاصة للكلاب ولغتها من خلال الحركات لكي أتعامل مع كلبة إبنتي لان التعامل مع الحيوان والانسان يحتاج الى فهم الاخر قبل كل شيء،
وهي من كلاب الرعي وكلما اخذتها الى الغابة للنزهة، تطارد الغزلان حتى يضيع أثرها.
دهشت في أن قواعد ترويض الحيوانات هي نفس قواعد الأحزاب الشمولية والمجتمعات المغلقة الزجرية في ترويض الأتباع
بل ياتي الفرد مروضاً وقابلاً للإخضاع من المجتمع ومؤسساته الى السلطة والحزب ومؤسساته على القواعد نفسها :
التكرار والتلقين والعقاب والمكافأة، والتنفيذ بلا نقاش، وصنع الأشباه والنسخ والقطيع ومحاربة الفردية والتمايز وشعاره:
المركزية الحزبية أو الطاعة العمياء الاجتماعية العنوان الملون للعبودية ومسخ الفردية وتشويه صورة الانسان حتى في نظر نفسه فيصنع لنفسه شخصية مزيفة وذاكرة مزيفة بعد دفن الشخصية الحقيقية والذاكرة الحقيقية الطبيعية الملغية والفارغة من لحظة صدق أو ذكرى نظيفة.
مع الوقت والتكرار والتلقين تتحول هذه العادات الى مبادئ صارمة وجزء من النسيج العقلي البنيوي ويصبح يرى الحياة من خلال بنية مدجنة دون أن يعرف كمن يرى حديقة مشرقة بنظارات مغبرة.
لهذا السبب تتمتع ذاكرة الشخصية المزيفة بالقوة لأنها قواعد حيل وتخفي وأقنعة وتلاعب ومناورات ولغة مزورة مكررة آلاف المرات ومن المستحيل لذاكرة مزيفة أن تعيش لحظة صفاء لا مع نفسها ولا مع الآخرين الذين تخلق بدورها لكل واحد منهم شخصية ولغة وقصة وتتنقل بينهم بسلاسة ولكل واحد من هؤلاء” ذاكرة” خاصة . الذات المزيفة لا تفكر بل تعيد برنامجاً جاهزاً للتحايل.
ذاكرة فأر في قفص زجاجي قوية وهي ليست ذاكرة عالم أو مثقف أو مفكر أو فنان أو أديب تتسع للعالم بل ذاكرة مسخ مريض. يتحدث في العلن عن المرض النفسي وفي السر يحتاج الى علاج طويل الأمد لاعادة صياغة كاملة للشخصية وهي مهمة شاقة ومرهقة حتى لاطباء النفس.
ذاكرة مخلوق وهمي لا وجود له حتى في نظر نفسه لذلك يبحث عن” مكانة” لدى الآخرين لانه لا يعثر في داخله سوى على فراغ موحش بلا قاع وقلق وكآبة ومخاوف لا نهاية لها ورعب من الوحدة والموت لذلك يفضل الهرب الى الاخرين وتتعمق أزمته في كل مرة لأن الخلل بنيوي عميق لا تنفع فيه جرعة مناورات زائدة مهدئة لساعات او لحظات كما يفعل المدمن.
الشيء الوحيد المفقود في تلقين الأحزاب والمجتمع المغلق هو غياب الاحترام لعقل الانسان وخياراته وهو مبدأ جوهري في تدريب الحيوانات:
لا تذل الحيوان لأنك ستفقده، هو الدرس الأول، لذلك تنتج هذه الأحزاب جيوشاً من المخصيين عقلياً.
الخصاء العقلي مفهوم في علم الاجتماع السياسي Castration Mintel ،
وهو انعدام المرونة في التفكير وذهنية الابيض والاسود والاراء القاطعة الحدية والعجز عن الربط بين الظواهر والاراء المتسرعة وغياب المساحات الرمادية وانصاف الحلول وإما الكل أو لا شيء أو إما المحو أو الدمج وحبس الانسان في خانة او موقف حقيقي أو متخيل ومنحه كودا رمزا للحفظ مدى الحياة كما لو انه ملف.
فشلت كل هذه الأحزاب في انتاج علماء أو فلاسفة أو أدباء أو موسيقيين،
والانتاج الوحيد هو ببغاوات ملقنة لا تختلف عن أي مروض ومدجن للخيول والكلاب والدلافين،
ولو إختلفت مثلاً مع أحدهم وهو في المكسيك، فستجد نفسك في مواجهة وغضب مع رفيقه في أثيوبيا أو السويد أو بيروت أو بغداد دون معرفة الاسباب الحقيقية، كما لو انهم قبيلة محسنة، كأننا في زمن الشاعر جرير:
” إذا غَضِـبَـتْ علـيـكَ بـنــو تـمـيـمٍ ــــ حَسِـبْـتَ الـنـاسَ كُلَّـهُـمُ غِـضَـابـا”،
ودون أن يعرف هذا الببغاء القضية أو حتى يعرفك لأن بنية التلقين Indoctrination جاهزة تقوم على تخيل الآخر لا على أساس التجربة والحقيقة وهذه ذهنية النسخ والاشباه وعقلية القبيلة بل ان شيوخ الاسلام أفتوا بجواز تلقين الميت خلال الدفن حسب قاعدة” يسمع ولا يتكلم” كما لو أن كل تلقينات الحياة غير كافية، كما لو انه كان يتكلم أو يفكر في الحياة مع انه كان يردد ويرطن ويكرر ويجتر ويُلقّن.
مع مرور الوقت والتكرار ونسيان من هو يبدأ بتلقين نفسه تلقائياً بالتشغيل الذاتي كرابوت آلي حسب القواعد كساعة رولكس Rolex السويسرية بلا اكراه ولا بطيخ لأنه مُبرمج.
قانون يشمل جميع الأحزاب لأنها كلها نتاج بيئة وثقافة ومناخ وعلاقات وتاريخ واحد،
وكلهم من خريجي مدرسة المحو والاقصاء والقتل والتصفية الجسدية او الاخلاقية وملكية الحقيقة والشرف والتاريخ وحيازة السلطة كعقار،
ولو عاش أحدهم، وتجربتنا الشخصية في المنفى مع هؤلاء تثبت ذلك، عشرات السنين في دول ديمقراطية لكنه يحمل معه” حقيبته الخلفية” معه، ماضيه وتحيزاته وذهنية نمطية وقوالب جاهزة، كما يحمل بدوي عقرباً قاتلاً في خرجه دون وعي.
هذه الأحزاب والمجتمعات في الماضي القرييب واليوم تنتج مخلوقات ملقنة ومعاقين عقلياً ونظرة واحدة الى الواقع وكوارثه تعطي الدليل القاطع على ذلك.
هذه المخلوقات تعيش على حافة الهاوية وتفعل الشيء ونقيضه وتفكر بلغة وتعمل عكسها ومن الصعب جداً التعرف عليها لأنها ترتدي أقنعة جذابة وتتبنى مبادئ للتغطية وتعيش في ظلام داخلي لا صبح فيه. عرض أقل