
من الصعب على الكاتب العربي أن يروي سيرته لأنه سيجد نفسه في مواجهة الخطوط الحمراء والنظر للبوح على انه ضعف وفضيحة في حين يجري التستر على الجريمة لكن الخوف من التعبير عنها .
هذه طبيعة المجتمعات المغلقة التي تشجع السرية وتخاف العلنية لذلك تتراكم العاهات ثم تنفجر في وقت غير متوقع.صار من العادي أن يهدد سياسي لص بقلب الطاولة على رؤوس الجميع علنا ــــــــ لأنهم شركاء سرقة اختلفوا ــــــــــــ على شاشات التلفزة بل صار من العادي أن يشرح ارهابي أو مجرم بالتفصيل الممل على الشاشات تفاصيل جريمته وتستطيع أي بلوكر وفانشستا تافهة وسطحية أن تتبجح بسيارات وشقق هدايا وعن علاقات قذرة أمام جمهور صامت ومتقبل وفي تسجيلات الشرطة تظهر زوجة خائنة تتحدث كيف تمت جريمة قتل زوجها مع عشيق بتفاصيل مقرفة ببرود عقلي وعاطفي كحديث عن تفاصيل فيلم بلغة محايدة قاتلة،
في حين لا يستطيع شخص أن يروي سيرة حياة نظيفة بلغة عفوية أو قصة عاطفية.
البوح في المجتمع المغلق أقرب الى المقصلة والكاتب العربي يدخل في منفى حتى في وطنه من اللحظة التي قرر فيها الكتابة بلغة واضحة وشفافة وجريئة وسيدخل في معركة مفتوحة مع الجميع ويتحول الى ميدان رمي من كل الجهات باختلاق ذرائع ويتحول الجميع الى كهنة وزهاد ونساك في حين رائحة التفسخ في كل مكان كما لو أننا لا تعرف ماذا يحدث في القاع السفلي من المخبوء والمخفي.
في حين يستطيع عامل مصعد أو سائق حافلة أو ربة بيت أو استاذ في الغرب رواية سيرته الشخصية بلغة طليقة مفتوحة لأن المجتمع ينظر للبوح كفعل تطهيري.
حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي عندما سقطت السرديات الكبرى في الغرب ونهاية الدول الاشتراكية، كان الكتاب العرب يتحاشون كتابة سيرة ذاتية مفتوحة لأن الأحزاب الايديولوجية تعتبر” الأنا” برجوازية لا تستحق أن تروي لكنها تستطيع أن تروي سيرة بلدوزر أو ماكنة طحن أو الزعيم أو جنود في حفر الخنادق. كانت الأنا ملغاة لصالح السلطة ويوم نشر محمد شكري المغربي سيرته الذاتية الروائية” الخبز الحافي” قادته حملة ضارية الى مصح تطوان للأمراض النفسية ولم يجد أحداً بجانبه غير الدكتور الناقد والروائي محمد برادة ونشرت رسائلهما المشتركة من والى المصح في كتاب بعنوان” ورد ورماد” عن كيف تتحول الصداقة الى يد منقذة من السقوط في الهاوية في لحظة تخلي الجميع.
لكن غابريل ماركيز فتح مرتين سجلات حياته: مرة في سيرته بقلمه” عشت لأروي” وثانية في هذا الكتاب الباهر لـــــ جيرالد مارتن: ” سيرة حياة: غابريل غارسيا ماركيز” يروي سيرة حياة ماركيز الكولومبي بعد سبعة عشر عاماً نقاشات قضاها مع ماركيز الملقب بـــ غابو ومع أكثر من ثلاثمائة من الذين عرفوه،
من بينهم رؤساء دول مثل الرئيس الكوبي كاسترو والرئيس الفرنسي ميتران ورئيس وزراء اسبانيا فيليب غونثاليث.
في 774 صفحة من السحر والنثر والرصانة من كلا الكاتبين، نعثر على قصة حياة فريدة قد تكون أكثر إبهاراً من روايات ماركيز وعالمه الغرائبي السحري.
كان ماركيز قد وضع حياته عارية كما حدثت لانه من الافضل له ولكل كاتب ان يروي سيرته بلغة مفتوحة لكي لا تروى من اخرين بطريقة رغبية انتقائية مشوهة .
كان ماركيز يقرأ مقالات عنه تتحدث عن مدن لم يزرها ونساء لم يلتق بهن وكل من تحدث معها ووقع لها على رواية إدعت انها عشيقة تروي احداثا بتفاصيل مذهلة ويقول غابريل ماركيز ساخراً:
” أتمنى فعلاً لو كانت قد حدثت ”
وعن مقابلات لم تتم ، يقول كنت اتمنى فعلاً لو أنني قلت تلك الأقوال بإستثناء أنني لم أقلها، ولم يخلصه من الغضب والنار التي تخرج من أنفه، كما يقول، غير الروائي الأمريكي هنري ميللر الذي قال له حرفياً:
” هذه العاهة لا علاج لها إلا بالتجاهل والاحتقار”.
جيرالد مارتن هو الاستاذ الاقدم في جامعة ميتربولتان في لندن، وأستاذ اللغات الحديثة والمتخصص في السرد الأمريكي،
استطاع أن ينتزع من ماركيز اعترافات صريحة في ان هذه السيرة التي أقر ماركيز بأنها سيرته الرسمية.
خلال هذا الكتاب سنتعرف على الوجه المخفي لماركيز، الظروف القاسية والروايات وكيف كتب كل رواية حتى جائزة نوبل، ولا يمكن استعراض هذا الكتاب الممتع، لكن أكثر المواقف إيلاماً التي ذكرها ماركيز للكاتب إنه إضطر في ليلة النزول الى الشارع والبحث في حاوية القمامة
عن طعام لإبنه الرضيع الذي يبكي من الجوع.
أما عن ظروف كتابة روايته الشهيرة:” مائة عام من العزلة” التي أطلقته الى عالم الشهرة وكانت حدثاً روائياً عالمياً، فيقول ماركيز إنه كان في السيارة مع زوجته في الطريق الى المكسيك، عندما قرعت العبارة الأولى من الرواية رأسه فقرر العودة منتصف الطريق.
أهم عمل في الرواية هي العبارة الأولى لأنها ستقود الخطوات القادمة وهي أصعب لحظة في البناء الروائي وقد تقع فجأة لأن زمن التأليف النفسي سابق لزمن التفريغ والكتابة، أي ان الكاتب يتخيل ويؤلف ذهنيا سنوات ثم تكون مرحلة التفريغ أو الكتابة هي المرحلة الأخيرة كما يحدث في الولادة التي لم تتكون تلك اللحظة.
كانت زوجته خلال الكتابة قد فرغته تماما من أي أعمال خاصة منزلية خلال كتابة” مئة عام من العزلة”،
وقطعت اتصالات الهاتف، وأبعدت عنه الأطفال لكي يعيش مناخ شخصياته.
عند إكتمال الرواية ذهب مع زوجته مرسيدس بارتشا وهي من إصول مصرية، وقد وضع كتاباً عنها واصفاً إياها:” الرفيقة بلا شروط” ذهبا الى دائرة البريد لارسال النسخة الى دار نشر في الارجنتين،
لكن موظف البريد طلب مبلغاً للارسال لا يتوفر عندهما، فقررا إرسال الجزء الاول،
ثم باعت بارتشا حلياً لها مع سشوار وعندما أرادت بيع خاتم الزواج رفض وجن جنونه، وعادا للبريد وأُرسل الجزء الثاني، وهما يخرجان صامتين قالت بارتشا عند الباب:
” بعد هذا نأمل أن تكون الإمور جيدة”.
نشرت الرواية وكانت حدثاً أدبياً عام 1967 لم ينقطع الحوار عنها حتى اليوم،
وعندما سمع والد غابريل ماركيز وهو رجل صاحب دكان بسيط بفوز إبنه
بجائزة نوبل سأل بعفوية:
” على ماذا فاز؟”
قالوا له:
” لأنه يروي حكايات”.
هز يده واستدار بلامبالاة وهو يقول:
” لم لا يفوز؟ فهو من الصغر كان يكذب”.
عندما تكون حياة انسان بهذا الغنى والتنوع والثراء والكفاح والشجاعة الاخلاقية والوضوح، تستحق حياته أن تُروى.