
اِنْتَبَهْتُ بَعْدَ حِينٍ أَنَّهَا غَادَرَتِ الْمَسْكَنَ.
وَوَقَفْتُ عَلَى نَاصِيَةِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ فِي حَيْرَةٍ تَتَشَظَّى.
خَمَّنْتُ أَنَّهَا فِي شُقَّةِ وَالِدَيْهَا، فَخَابَ ظَنِّي، وَتَلَعْثَمْتُ حَتَّى كِدْتُ أُفْضَحُ نَفْسِي.
وَإِنَّهُ لَعَارٌ عَلَى رَجُلٍ مِثْلِي أَنْ يُغْضِبَ رَفِيقَةَ عُمْرِهِ.
فَلَجَأْتُ إِلَى جَرْسِ الْهَاتِفِ، يَدُقُّ فِي دَقَّاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّهَا لَنْ تُجِيبَ.
وَلَكِنْ جَاءَ صَوْتُ أُمِّي، يَنْهَمِرُ سَيْلًا مِنْ هُجُومٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ:
– تركت الهاتف معي.
– ماذا قالت لك؟
-فقط اضطرابها وأنفاسها المتلاحقة.
ثُمَّ أَخَذَتْ أُمِّي تُقَرِّعُنِي، وَقَالَتْ:
-هذه مملكتها، ونحن ـ أنا والمرحوم ـ ضيوف عندها.
منذ أن قدمت علينا وهي تنهض بأعباء البيت على كتفيها، تترك أبناءها في رعايتي وتؤدي واجبها.
وحين اشتدَّ المرض بأبيك لم تفارقه لحظة، وآخر ما تلفظ به كان اسمها.
يظهر أنك قهرتها، فلم تجد مفرَّاً من أن تذهب إليه، تجلس بقربه، تمسك شاهد قبره، فتتوقع طيف أبيك يعتب عليك.
إن أردت إصلاح الخطأ، فلا تذهب إليها مثقلاً بالعتاب، بل بادر إلى خطوط الطيران، وسافرا معاً، فالسفر يجمع ما فرّقته الغربة ويرمّم ما هدمته الحروب.
فذكرتني وصيتها، فأجبتها متحسِّراً:
-تذكرت يا أمي أنني أعيش في الغربة بعيدًا عنكم، وأنتم في بلد النزوح هذه.
ما حدث قد يكون مرجعه التفكير في مصاب الحرب.
فأجابت:
-نعم، لقد أفقدتنا كل شيء، وأكبر خسارة رحيل أبيك.
بقلم: صلاح الدين عثمان
الإسكندرية ٣ يونيو ٢٠٢٦م