
تربية الأبناء الحلقه (58)
الحب والاحتواء
الحبُّ والاحتواءُ هما حَجرا الزاويةِ في بنيانِ التربيةِ القويمةِ؛ فالطفولةُ غرسٌ رقيقٌ لا يربو في هجيرِ الجفاءِ، ولا يزدهرُ في فضاءٍ يفتقرُ إلى سَكينةِ الأمانِ.
إنَّ الصغيرَ في مقتبلِ العمرِ لا ينشدُ قوتاً لجسدِهِ بقدرِ ما يرتجي قوتاً لروحِهِ؛ يطمحُ أن يكونَ مَحبوباً، وأن يرى هذا الحبَّ تجلياً مشهوداً: في رقةِ الكلمةِ، ودفءِ الضَّمّةِ، وعمقِ الاهتمامِ.
أما الاحتواءُ، فهو هندسةُ الإنصاتِ وفلسفةُ الاستيعابِ؛ أن تُبحرَ في أعماقِ مشاعرهِ، وتُصغي لنبضِ حديثهِ، وتغدوَ ملاذَهُ الأقربَ في لحظاتِ انكسارهِ وهشاشتهِ قبلَ ساعاتِ زَهوهِ وقوّتهِ. فكم من طفلٍ لا يبحثُ عن خَارطةِ طريقٍ لحلِّ مشكلاته، بقدرِ ما يبحثُ عن مَرفأٍ يَقيهِ العاصفةَ، وقلبٍ يَتّسعُ لبوحهِ ويَشعرُ بكيانِهِ.
وخلافاً لما توهَّمَهُ البعضُ، فإنَّ الحبَّ الصادقَ لا يُفسدُ الفِطرةَ ولا يُرخي حبالَ التربيةِ، بل هو المِلاطُ الذي يُقوّي أركانَها، شريطةَ أن يستويَ على ميزانِ الحكمةِ والتوجيهِ الرشيدِ. فالناشئُ الذي يرتوي من نميرِ الأمانِ، يخطو نحو غدِهِ واثقَ الخُطى، متزنَ الوجدانِ، جديراً بمجابهةِ مَوجِ الحياةِ الصاخبِ.
أجعل البيتُ مغناطيساً جاذباً، وواحةً ظليلةً يشتاقُ الطفلُ
ويأويَ إليها؛ لأنّهُ يعلمُ يقيناً أنَّ خلفَ عتبتِها قبولاً بغيرِ شروطٍ، ودفئاً يمحو الصقيعَ، وعنايةً تُحيطُ بهِ من كلِّ جانبٍ.
فأفيضوا على أبنائِكم سحائبَ حبٍّ خالصٍ، واحتوهم بقلوبٍ حانيةٍ؛ لتبنوا لهم أرواحاً مُطمئنةً، ونفوساً صلبةً لا تكسِرُها الأيامُ.
الأبناء نعمة من الله وكل نعمة تقابل بالشكر وشكر نعمة الله ان نحسن تربيتهم حتى يكونوا قرة عين لوالديه..