
في محراب اللغة تطلُّ علينا أديبة وجدانيَّة تتنفَّس الصدق والعفوية وينفتح قلمها على النصِّ العميق المفعم بالشجن؛ حين يلامس الروح بنقائه وتناقضاته الإنسانية. فتعابيرها الإبداعية تعكس نظرة تأمُّليَّة وفلسفيَّة عالية بتوقيع أنيق يعود للشاعرة السورية عائشة بريكات التي تُقدِّم الأسئلة على الأجوبة في قصيدة النثر لتصوير حالة القلق الوجودي، وخلق تفاعل مستمر مع المتلقي، عبر دلالات فنية وفلسفية كثيرة، أبرزها: تأصيل الحيرة والاغتراب وتحويل النص إلى فضاء مفتوح، إضافة إلى التمرُّد على البناء المنطقي المألوف للنص، بما يتوافق مع طبيعة قصيدة النثر، وتحويل الاستفهام من مجرد أسلوب نحوي لغوي إلى “أداة شعرية” جمالية بحدِّ ذاتها، لإثارة “الانفعال.. التأمُّل.. وتوليد الدهشة” من خلال دخولٍ نديٍّ… عذب.. جديد في المجهول واللا مُفكَّر فيه، حيث البحث عن مواطن الجمال والقبح في سماء النفس الإنسانية والواقع المعاش.. وهي قضية تستعذبها الشاعرة والأم عائشة بريكات وتستلذُّها.
*متى استمتعتِ بالشعر؟ وفي أيَّةِ فترةٍ تحديداً كانت بدايتُكِ الحقيقيَّةُ؟
**متعةُ الشعرِ سبقتْ متعةَ كتابتِهِ بسنواتٍ طويلةٍ. كنتُ قارئةً نهمةً جدّاً، ومستَمِعةً إلى كلِّ أنواعِ الحروفِ، لكنَّ بدايتي في الكتابةِ كانتْ في منظمةِ آمالٍ للمعاقينَ، حينما طُلِبَ منِّي أن أكتبَ سطوراً في يومِ التوحُّدِ العالميِّ لابني الملاكِ وأقرانِهِ، ومنذُها وكأنَّ حبلَ اللغةِ انفرطَ في روحي، وإلى الآنَ لم أُلملِمْه.
*الامتنانُ الأكبرُ في تسليطِ الضوءِ عليكِ عندما كنتِ في البداياتِ المبكرةِ، لمَنْ يعودُ؟
**رغمَ وجودِ الأسماءِ الكبيرةِ، وفضلها في ذلكَ، إلَّا أنَّ موهبتي الحقيقيَّةَ والمتفرِّدةَ، حسبَ تقييمِ خبراءِ الحرفِ فيما أكتبُ، هي التي أزاحتِ الغبارَ عن اسمي، وجعلتْه يلمعُ وقتما كانتِ العتمةُ تُنعَتُ بها الحروفُ النسويَّةُ الدمشقيَّةُ. وأخشى أن أذكرَ اسماً وأنسى أسماءً، لكنَّ الاتجاهاتِ تعرفُ بكواكبِها.
*هل تأثَّرتِ بأقطابِ الشعرِ العربيِّ وفحولِهِ، وهل كان لكِ احتكاكٌ بشعراءِ المشرقِ والمغربِ؟
**لا بدَّ أن تحصلَ المغنطةُ، ما دامَ انجذابي باتجاهِ الشعرِ. والمخزونُ اللغويُّ الأعظمُ بدأ من كتابِ اللهِ إلى كلِّ كتابٍ وقعَ تحتَ عينيَّ، ولمَّا ينتهِ بعدُ، حتَّى من عبارةٍ قرأتُها مؤخَّراً في منشورٍ فيسبوكيٍّ.
*الحزنُ حاضرٌ في كثيرٍ من النصوصِ الأدبيَّةِ، فهل ترينَ أنَّ المعاناةَ شرطٌ للإبداعِ؟
**لا أظنُّ أنَّ المعاناة شرطٌ للإبداعِ، لكنَّه أحدُ معلِّميهِ الكبارِ. فالفرحُ له لغتُه، والطمأنينةُ لها شروطُها، غيرَ أنَّ الجراحَ تجعلُ الإنسانَ أكثرَ تيقُّظاً.
وما يهمُّني في الأمرِ هو مقدارُ الصدقِ الذي يتحوَّلُ به الألمُ إلى نصٍّ.
*كتبتِ الشعرَ النثريَّ فقط، أم كانتْ لكِ محاولاتٌ في كلِّ أنواعِ الشعرِ؟
**أعشقُ النثرَ، لذلكَ أنبشُ الدهشةَ لأكتبَه.
وكتبتُ مرَّةً لأختبرَ نفسي:
في الشامِ يصطفُّ الحمامُ مصلِّياً
في الجامعِ الأمويِّ يتلو الخاشعةْ
شهداءُ سوريا التي ضاقتْ بهم
يبنونَ في الجنَّاتِ شاماً ثانيةْ
ولم أجدْ روحي فيما كتبتُ، فعُدتُ إلى النبشِ الذي أحبُّه. وبعدَ دورةٍ تدريبيَّةٍ لكتابةِ القصَّةِ، اكتشفتُ موهبةً أخرى أتمتَّع بها، وقريباً سأُخرجُ مجموعتي القصصيَّةَ إلى النورِ.
*من أين تأتي أهميَّةُ القصيدةِ حتَّى تصبحَ أكثرَ تميُّزاً وإبداعاً؟
**على القصيدةِ أن تكونَ وفيَّةً للحياةِ، فلا تأتي كأنَّها ممزَّقةٌ كثيابِ لغةٍ رثَّةٍ، ولا تأتي منمَّقةً كأنَّها ذاهبةٌ توّاً إلى حفلٍ موسيقيٍّ عالميٍّ. على القصيدةِ أن تكونَ متواضعةً كالحياةِ البسيطةِ، عظيمةً بما تحتويه من مفاهيمَ وعِبَرٍ. القصيدةُ ابنةُ اللغةِ غيرِ الشرعيَّةِ، تحملُ كلَّ جيناتِها، ولا يعترفُ بها صنَّاعُ البحورِ.
*هل تتحدَّثُ الأنا في قصائدِكِ عن النسوةِ بشكلٍ عامٍّ؟
**أفتحُ شبابيكَها من ذاتي، لأجدَها تشبهُ كلَّ نوافذِ النساءِ الأخرياتِ، وكأنِّي صوتُهُنَّ المبحوحُ.
*ما أكثر ما تخشينَه على القصيدةِ في هذا الزمنِ؟
**أخشى عليها من الاستسهالِ، ومن التصفيقِ السريعِ الذي يمنحُ النصوصَ أوهامَ الخلودِ. فالقصيدةُ كائنٌ صبورٌ، لا تُربِّيه الضوضاءُ، وما يبقى في النهايةِ ليس أكثرَ النصوصِ انتشاراً، بل أكثرَها صدقاً.
*هل جمعتِ أشعارَكِ في ديوانٍ صدرَ لكِ؟ حبَّذا لو تتحدَّثينَ عنه.
**«إنِّي آنستُ حبراً»، الديوانُ الأوَّلُ الذي يتبرَّأُ منه معظمُ الشعراءِ، إلَّا أنَّه ابنُ جلدي، حتَّى لو كان أكثرَ قتامةً منِّي. كلُّ ما فيه أنا، وكلُّ ما فيَّ لم تتَّسعْ له درفتاهُ، أشفقتُ عليه، فقسَّمتُ تركةَ حزني في ديوانٍ آخرَ أسميتُه «كأنَّها لم تُخدشْ يوماً»، يُشرفُ على طباعتِهِ أدونيسُ الكبيرُ، وكان ذلك شرفاً كافياً لي، لاقترانِ اسمَيْنا حبريّاً.
*ما أهميَّةُ المكانِ في بلورتِكِ كشاعرةٍ؟
**المكانُ فيها نقطةُ انطلاقٍ، حيثُ أُلبِسُ الفكرةَ أجنحةً، وأفتحُ لها سماءَ الخيالِ لتحلِّقَ.
*هل تميلينَ إلى شحنِ صورِكِ بالرمزيَّةِ، مع إيحاءاتٍ وجوديَّةٍ وفلسفيَّةٍ عميقةٍ؟
**سُئلتُ سابقاً عن هذا، وكان جوابي، فيما معناه، بأنَّ بابَ القصيدةِ يبدأُ من الدهشةِ، لكنَّ الفلسفةَ تجدُ دائماً مكاناً مريحاً في غرفةِ معيشتِها.
*هل تشعرينَ بأنَّكِ أرضيتِ نفسَكِ أدبيّاً، أم أنَّ في داخلِكِ نصوصاً لم تُكتَبْ بعدُ؟
**ما زلتُ في أوَّلِ الطريقِ. كلَّما أنجزتُ نصّاً، أيقنتُ أنَّ النصَّ الذي سيخلِّدُ اسمي لم يُكتَبْ بعدُ. في داخلي مدنٌ كاملةٌ من الأحاسيسِ لم أزرْها لغويّاً، لذلك أعيشُ مع الكتابةِ حالةً دائمةً من عدمِ الاكتفاءِ.
*ما الرسائل التي تنقلينَها من خلالِ قصيدتِكِ؟
**لأكنْ صادقةً معكَ، ما زلتُ أترجمُ نفسي، وإلى الآنَ لم أُحِطْ علماً بكلِّ لغاتي.
*من هي عائشةُ بريكاتُ حينَ تبتعدُ عن الورقِ؟
**هي امرأةٌ عاديَّةٌ جدّاً، تحاولُ بشتَّى الطرقِ ألَّا تُنقِصَ في حياتِها شيئاً من الشجاعةِ التي كتبتْها في سطورِها، لتكونَ أصدقَ من شخصيَّاتِها وقصائدِها.
*ما دورُ الفضاءِ الأزرقِ والمنتدياتِ في صقلِ المواهبِ وتطويرِ أدواتِهم؟
**هذا الفضاءُ هو الحيِّزُ المتاحُ والأسرعُ لتلقِّي المعرفةِ البصريَّةِ، والمبدعُ تحفِّزُه جملةٌ لقصيدةٍ هائلةِ الجمالِ.
ومن أرادَ أن يطوِّرَ نفسَه، تنازلَ عن كبريائِهِ المصطنعِ، وقرأَ لمن يفوقونَه خبرةً في هذا المجالِ، وأنا ما زلتُ أتتلمذُ على حروفِهم.
*إذا كان عليكِ أن تختصري مشروعَ عائشةَ بريكاتَ الشعريَّ في جملةٍ واحدةٍ، فماذا تقولينَ؟
**أحاولُ أن أكونَ شاهدةً على الناسِ، لا قاضيةً عليهم، وأن أتركَ على جدرانِ قلوبِهم أثراً يشبهُ الرحمةَ، ولو بحفنةِ حبرٍ.
*كيف تتعاملينَ مع النقدِ الأدبيِّ، سواءً كان منصفاً أو قاسياً؟
**النقدُ الحقيقيُّ هديَّةٌ، حتى لو جاءَ بثيابٍ خشنةٍ. لا أخشى الملاحظاتِ الصادقةَ، بل أخشى المجاملةَ التي تُجمِّلُ العيوبَ وتؤخِّرُ النضجَ. وما دمتُ أكتبُ، فلا بدَّ أن أُصغيَ وأتعلَّمَ.
*ما الذي لم تستطعْ عائشةُ بريكاتُ قولَه حتى الآنَ؟
**الكلماتُ التي تُدميها شفراتُ الأعرافِ المغروزةُ تحتَ لساني.
*لو أُتيحَ لكِ أن تتركي عبارةً واحدةً فقط بعد عمرٍ طويلٍ من الكتابةِ، فبأيِّ عبارةٍ تحبِّينَ أن يتذكَّرَكِ القرَّاءُ؟
**أتمنَّى أن يُقالَ: كان لها بصمةٌ حبريَّةٌ خاصَّةٌ وصادقةٌ، وكانت لها فلسفتُها الخاصَّةُ، لكنَّها كانتْ أمّاً أكثرَ من كلِّ ذلك.
*ماذا تقولينَ لعائشةَ الشاعرةِ في نهايةِ هذا اللقاءِ؟
**سامحيني، حاولتُ سترَ بوحِكِ قدرَ الإمكانِ، كي لا يكتشفَ عُرْيَكِ إلَّا لغتُكِ الأُمُّ.