كتاب وشعراء

بَيْنَ النَّهْرِ وَالنِّسْيَان بقلم الكاتب / عمار سمير تيسير

بَيْنَ النَّهْرِ وَالنِّسْيَان
كَانَ الضَّوْءُ يَتَسَلَّلُ كَمَا تَتَسَلَّلُ الأَسْرَارُ،
خِلْسَةً بَيْنَ أَضْلُعِ الشَّجَرِ،
وَكَانَتِ الأَرْضُ تَشُمُّ رَائِحَةَ مَاضِيهَا
كَمَا يَشُمُّ الغَرِيبُ عَتَبَةَ بَيْتٍ لَمْ يَعُدْ لَهُ.
مَشَيْتُ عَلَى حَافَّةِ النَّهْرِ،
وَكَانَ النَّهْرُ يَمْشِي بِدَاخِلِي،
كِلَانَا يَبْحَثُ عَنْ بَحْرٍ
لَمْ يُخْبِرْنَا أَحَدٌ إِنْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَمْ يَنْسَى.
الحَجَرُ الَّذِي لَمَسْتُهُ لَمْ يَكُنْ حَجَرًا،
كَانَ صَمْتَ رَجُلٍ أَحَبَّ طَوِيلًا وَلَمْ يَقُلْ،
وَالمَاءُ الَّذِي مَرَّ بَيْنَ أَصَابِعِي
كَانَ كُلَّ لَحْظَةٍ ظَنَنْتُ أَنِّي أَمْلِكُهَا.
يَا أَيَّتُهَا الأَشْيَاءُ الصَّغِيرَةُ،
العُشْبَةُ المُنْكَسِرَةُ، وَالظِّلُّ الضَّائِعُ، وَالبَابُ المَوْصُودُ عَلَى صَوْتٍ قَدِيم،
أَنْتُنَّ أَعْمَقُ مِنَ الفَلَاسِفَةِ،
لِأَنَّكُنَّ لَا تَكْذِبْنَ حِينَ تَكُنَّ.
الفَيْلَسُوفُ يَصِفُ الأَلَمَ،
أَمَّا الجُرْحُ فَيَعِيشُهُ دُونَ اسْتِئْذَان.
وَأَنَا؟
أَنَا الَّذِي جَمَعَ كُلَّ هَذَا الجَمَالِ
ثُمَّ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَكَانًا.
حَمَلْتُ الغُرُوبَ فِي جَيْبِي،
وَالفَجْرَ فِي عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ لَمْ تَنَامَا،
وَأَوَّلَ بُكَاءِ طِفْلٍ فِي صَدْرٍ
لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ أَبًا أَمِ اعْتِرَاف.
لَا شَيْءَ يَنْتَهِي هُنَا،
كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَوَّلُ فَحَسْب،
الحَزَنُ يُصْبِحُ مَوْسِيقَى،
وَالمَوْسِيقَى تُصْبِحُ صَمْتًا،
وَالصَّمْتُ —
الصَّمْتُ وَحْدَهُ يَعْرِفُ
مَاذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ
حِينَ خَلَقَ الإِنْسَانَ
وَلَمْ يُعَلِّمْهُ كَيْفَ يَكْتَفِي.
*وَيَبْقَى النَّهْرُ يَجْرِي،*
*لَا لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ،*
*بَلْ لِأَنَّ الجَرَيَانَ هُوَ كُلُّ مَا يَمْلِك.*

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى