
ـــــــــــ ــ “لا مانع من منحهم حرية فكرية، طالما أنهم مجرّدون من القدرة على التفكير”* جورج أورويل، رواية: 1984.
التطورات الاخيرة في العراق حول رئيس الحكومة شكلت صدمة للجميع، المؤيدين للنظام السياسي والمعارضين له،
والسبب ان الطرفين نظروا للواقع السياسي من منطقة تفكير واحدة، من العقل الثنائي المانوي: الأبيض والأسود، والسلبي والايجابي، والفشل أو النجاح والكأس الفارغ والكأس الملآن والخ.
في عالم معقد يصدم دائما اصحاب التفكير الثنائي وغياب الاحتمالات وفي عصر السيولة لم يعد العقل الثنائي التبسيطي ينفع في تحليل الظواهر لكنه يكون مفيداً جداً لمن يرغب في الاستقالة العقلية لأن الدماغ يحب الاختصار بدل مشقة التفكير من زمن الزواحف حتى اليوم.
عندما تم الغاء الاحتمالات وانصب التفكير الثنائي في اتجاه واحد أو اثنين حول تركيبة النظام السياسي، أثبت لهم الواقع ان التفكير المنطقي الخطي المتسلسل لم ينطبق على العراق في كل تاريخه وان النزوة والحماقة والفرصة السانحة واللامتوقع والخارج والحلم والشطح والخبال والرعونة والغباء والرغبة والمزاج وغيرها من العناصر اللاعقلانية لعبت أدواراً كبيرة في صناعة تاريخ العراق من حملة الامبراطور الروماني جوليان على بابل في القرن الثالث بعد الميلاد الذي قتله عدو قرب تمارا ــــــــــ سامراء ــــــــــ بسهم مسموم وتهدل من فوق جواده كجورب عتيق وفشلت الحملة، الى نهاية آخر خلفاء الدولة الأموية مروان بن محمد عندما انزوى لقضاء حاجته في معركة فجندله متربص فوقها بسهم، الى راقصة ملهى كانت تعرف بساعة الصفر في الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم وحتى الليلة الحمراء مع عشيقة التي قضاها العقيد سعدون غيدان قائد الحرس الجمهوري المتواطئ مع انقلابيي تموز 1968 ونسي ساعة الصفر وجاء مترنحاً بعد عشر دقائق ليسهل لهم دخول القصر.
لم تكن الصدمة نتيجة الحدث السياسي المفاجئ بالدرجة الاولى وان ظهرت بهذا الشكل المموه لكنها أزمة فكرية وثقافية وعقل سياسي مسطح يتعامل مع الاحداث بطريقة بدائية لتجنب مشقة التفكير فلا يوجد نصف كأس فارغ ونصف كأس ملآن مثلاً وهذا تبسيط بدائي لان هناك الكأس والماء والفراغ واحتمالات التعبئة وهناك بين الفارغ والملأن طيف واسع من الاحتمالات الرمادية وهذه ليست واضحة للنظر بل تكتشف في التفكير والربط بين ظواهر متباعدة في الظاهر.
العقل الثنائي المانوي الذي ولد في بابل في القرن الثاني الميلادي الذي يقسم الحياة الى خير وشر ونور وظلام، وغياب الاحتمالات في الاسود وفي الشر نفسه خير وبالعكس، يتوقع نتيجة واحدة لذلك يُصدم من ظهور نتيجة خارج هذه العقل المستقيم لأنه تمت برمجته على التفكير بهذا التبسيط المخل من خلال قاموس لغوي أمريكي قطر على مراحل كمفردات المحاصصة والتعددية والكتلة الأكبر والانتخابات ومرحلة عبور نحو الديمقراطية والخ من قاموس طويل بحيث صار التفكير يتم من خلاله ولا تخرج النتائج عنه كلعبة سيارات الكترونية على شاشة للاطفال كل شيء مبرمج فيها، السرعة والانقلاب والاحتراق وعبور الحواجز والشيء الوحيد خارج اللعبة هو الاثارة.
هذه التوقعات المبسطة تكون صلبة جداً ويقينية ووثوقية مع ان السياسة علم الاحتمالات ، لكنها سريعة الانكسار وهشة لأن هذا العقل ينظر للحوادث والظواهر كأضداد وليس كعلاقات والتناقضات قد تتواجد في ظاهرة واحدة بدل الانسجام المطلق الكيفي والتعامل مع كل حدث كإمكانية وفرصة وتوقع واحتمال وليس نتيجة نهائية.
المشكلة ليست في الحدث الطارئ أو الصدمة، بل كشف عن فضيحة في أن ” التابع” لا يفكر بل يُفكر له وان خبراء الولايات قاموا خلال سنوات الاحتلال بهندسة الوعي من خلال لغة وقاموس خاص بحيث مهما” فكرت” ستصل الى النتيجة نفسها داخل صندوق لغوي جاهز.
هل يفكر التابع الملقن ام يقوم على محاكاة التفكير والانماط الملقنة بلا وعي، أي يقوم بالمعالجة كنظام الذكاء الاصطناعي، والتقليد، والنظام الآلي، من دون مشاعر ولا خبرة ذاتية بل خبرة آلية احتمالية بناء على أنماط تعلمها سابقاً دون وعي وبلا فهم؟
مجرد نظام خوارزمي على شكل بشر تمت برمجته وما يقوم به ليس تفكيراً بل محاكاة وبما أن التفكير يتطلب الوعي والمحاججة الذاتية المنطقية وتقليب الخيارات، فالتابع لا يفكر لأنه مبرمج مثل كائن آلي.
رغم ان التابع هامشي ومقصي أو جزء من السلطة لكنه نمط واحد في العقلية، سواء كانوا مؤيدين أم رافضين للنظام باستعمال اللغة نفسها او المعلومات نفسها لأن كل تفكيره نابع من نظام الهيمنة الخفي.
هل يستطيع التابع أن يتكلم Can the Subaltern Speak؟” سؤال المفكرة الأمريكية البنغالية الأصل غياتري سبيفاك الذي صار مرجعاً في دراسات ما بعد الكولونيالية: هل الثرثرة والتلقين هو تفكير؟كيف نفكر بلا ثقافة؟ كيف يمكن لمطحنة أن تنتج بلا قمح عدا الضجيج؟. نعم يتكلم التابع لكن ليس بلغته. انه يرطن ويجتر لكن لا يفكر.
الصدمة النخبوية الأخيرة ضجيج عقل وجد نفسه أمام فراغ لأنها نخب كانت تعتمد الصوت العالي بدل المنطق والأوهام بدل الواقع الخفي وغياب الاحتمالات ونقاشات صارخة ومعارك ومشاجرات وبرامج بدل التفكير في اللامتوقع والمسكوت عنه وغير المفكر فيه وهذه تحتاج الى ثقافة ورصانة وتأمل في واقع عراقي الجميع فيه يركضون في مختلف الاتجاهات ولا أحد يصل الى نهاية لأن اللعبة مبرمجة على الركض والانهاك والاعياء والقلق والتداعى والاستسلام كما اليوم.