كتاب وشعراء

حوار مع الشاعر المصري الكبير: عباس محمود عامر.. أجرته الأديبة: نجاح الدروبي

قامة شعرية كبيرة ومبدع من شعراء العصر الحديث.. في قصائده يُشرقُ الحبُّ وتغدو الأنثى مصدراً للإلهام والنور، بينما تلامس الصور الإبداعية الواقع الراهن ومعاناة الإنسان العربي عبر المزج بين الذات والوطن.. مع الشاعر المصري الكبير عباس محمود عامر كان لنا الحوار الآتي:

* الشاعر عباس محمود عامر، شاعر مصري قرأنا له الكثير من إبداعاته في الصحف والمجلات.. هل يمكن أن تقدم للقارئ العربي بطاقة تعريفية عنك؟
**مدينة الوراق بمحافظة الجيزة هي مسقط رأسي. تعلمت اللغة العربية من قراءتي وحفظي للقرآن وأنا في سن صغيرة، وحصلت على مؤهلي الجامعي، وعُينت في هيئة المطابع الأميرية وتدرجت حتى منصب مدير عام. كان الشعر في دمي طريقاً موازياً للوظيفة؛ هذه الهيئة التي عملت بها هي بالفعل “مطبعة بولاق” التي أنشأها محمد علي، وهي أول صرح للطباعة في الشرق الأوسط، قامت عليه نهضة الشرق، وساهمت في إنعاش الفكر والوعي المعرفي للعقول العربية والأجنبية، وإحياء حركة الترجمة بين الشرق والغرب. وكانت تصدر من مطبعة بولاق جريدة “الوقائع المصرية”، ورأس تحريرها عمالقة الثقافة والأدب والسياسة، أمثال: محمد عبده، ورفاعة رافع الطهطاوي -أساتذة ورواد التنوير في ذلك العصر- والزعيم سعد زغلول، وإبراهيم بك الهلباوي. والمطابع الأميرية بها مكتبة كبيرة زاخرة بالكتب الأدبية والثقافية والتاريخية، وهي من أكبر المكتبات في مصر، كنت أنهل منها أجمل الثقافات فصارت جزءاً كبيراً في تشكيل ثقافتي الأدبية. حصلت وقتها على لقب شاعر “المطابع الأميرية”، كما حصلت على لقب “شاعر المرأة” امتداداً لنزار قباني من قِبل الجمهور والإعلاميين، كما حصلت على لقب “رسول الأمة الغافلة” من النقاد بعد ذلك.هكذا بدأت مشواري الشعري والأدبي على أرض الواقع، حتى أصبحت عضواً في نقابة اتحاد كتاب مصر، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وتم انضمامي إلى المعجم البولندي الكبير للشعراء العالميين عام (2023) موسوعة ثقافية عالمية. وأيضاً أُدرج اسمي ضمن معجم (البابطين) للشعراء العرب المعاصرين على مستوى العالم العربي الذي صدر في الكويت، وكذلك أُدرج اسمي في الموسوعة الكبرى للشعراء في العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث في العراق، وتم ضمي في الموسوعة الكبرى للشعراء العرب التي صدرت في المغرب.اعتُمدت كاتباً وشاعراً ومتحدثاً بالإذاعة والتلفزيون، وقد أُذيعت أشعاري ونتاجي الأدبي في بعض القنوات الفضائية والإذاعات. تُرجمت بعض أشعاري وسيرتي الذاتية إلى اللغة الألبانية ونُشرت في كتاب ضمن 30 شاعراً عالمياً صدر في ألبانيا، وتم توزيعه على المدارس والجامعات والمكتبات العامة في ألبانيا. كما تُرجمت أشعاري إلى اللغات الإنجليزية والبولندية والإسبانية، ونُشر إنتاجي الشعري والأدبي في عدد كبير من الصحف والمجلات المصرية والعربية. والخلاصة التي أفادتني منذ نشأتي وحتى الآن، هي عشقي للكلمة؛ فالكلمة هي أقوى أدوات التعبير، كما أنها تحمل المعنى الحقيقي للإحساس.

*لديك مكتبة ثرية في منزلك، ما أجمل الكتب التي قرأتها وأثرت فيك؟
**إلى جانب قراءاتي في مكتبة بولاق، لدي مكتبة في منزلي تحتوي الكتب الشعرية والأدبية والتاريخية والاجتماعية والفلسفية والطبية. قرأت الكثير منها وتأثرت بالأساطير الإغريقية واليونانية والتاريخ الفرعوني، كما تأثرت بالفارابي، والمتنبي، وابن الفارض، وابن عربي، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وصلاح عبد الصبور، ونزار قباني، ومحمود درويش، ومحمد الماغوط، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وأحمد سويلم الذي قدمني للإذاعة المصرية لأول مرة في أوائل الثمانينات.

*لك دواوين مطبوعة تقتنيها مكتبة الإسكندرية العالمية، ومكتبة الملك فهد الوطنية في المملكة العربية السعودية، ومكتبة البابطين بدولة الكويت.. نلقي ضوءاً على هذه الدواوين التي طُبعت لك؟
**صدر لي سبعة مؤلفات من دواوين شعرية ومسرحية شعرية ودراسات، بهذه العناوين: (شمس الأمل – غروب الظهيرة – النار والسنبلة – أمشير – نار في الرماد) وهي عناوين الدواوين الشعرية، و(انهض يا إيزو) مسرحية شعرية، و(العلم العروضي لموسيقى الشعر) كتاب عن دراسة أوزان الشعر العربي. بعد أن تم نشرها في الصحف والمجلات الورقية المصرية والعربية، تم طبع ونشر هذه المؤلفات بمعرفة وزارة الثقافة المصرية ومركز الحضارة العربية، وتقتني معظمها مكتبة الإسكندرية العالمية، ومكتبة الملك فهد الوطنية بالمملكة العربية السعودية، ومكتبة البابطين بدولة الكويت. كما تم طبع هذه المؤلفات نسخ إلكترونية بمعرفة دور النشر الإلكتروني، علاوة على مؤلفات ودواوين أخرى تحت الطبع.

*الشذرات الروحية عبارة عن قطع الذهب الصغيرة؛ تحمل اصطلاحاً أدبياً وفلسفياً.. فإلامَ تشير وتهدف؟
**الشذرات الروحية هي مجموعة من الأفكار التأملية، تحلق في غلاف الروح، تحمل في طياتها الحكمة والإبداع لنشر الإنسانية التي هي عماد كل الأديان، والإنسانية هي دستور إلهي في الروح البشرية لضمان استمرار الحياة، ومنها يعم السلام في العالم.

*ما النوافذ العالية التي تكشفها القصيدة لك عند لقائك بها في صعود اللغة.. هل هي “الدهشة، الوحدة، الحب، الفرح، المتعة، السلام.. إلخ”، وكيف نعرِّف الشعر عند شاعرنا؟
**للعلم، الشعر عندي ليس موضوعاً إنشائياً أو تعبيرياً أو استعراضاً لغوياً. أنا لا أكتب الشعر كي أنظمه، بل الروح تكتبني شعراً دون أن أعلمه، والشعر عندي هو “روح”؛ لأن الكلمة أيضاً روح، ليس بالمعنى اللغوي، بل في تصوير المعنى البعيد الذي تنشده الروح عبر المشاعر الروحية الجميلة. من هنا تكتبني الروح شعراً دون أن أدري؛ أفاجأ بقصيدة أمامي على الورق تنشد للجمال والإنسانية، تشعرني بالدهشة والفرح والمتعة كما تقولين، كما أنني أشعر بصفاء النفس أيضاً. من هنا، الشعر عندي لا ينفصل عن الروح؛ لأن الشعر حزمة من المشاعر، والمشاعر منبعها الروح، كما أن للشعر وظيفة مجتمعية؛ لتشكيل جماليات الوعي والفكر، لتبدو الحياة بألوان الفضيلة، تحتويها روح الحب والسلام، فتمحو فوضى الليل والنهار.

*هل القصيدة جغرافيا إنسانية بكل أفقها وكونها الشاسع؟
**نعم، القصيدة الشعرية هي جغرافيا إنسانية تأملية، تشكِّل خريطة الوجدان والعمق الروحي والذاكرة والحدس، تتماهى بكل تضاريس اللغة مع التقارب الروحي مع الآخرين في عبورها للزمان والمكان في وقت واحد؛ لأنها تناقش قضية -سواء ذاتية أو مجتمعية- تنازع الروح لتتفاعل معها في تجربة شعورية صادقة.

*هل اللغة في الشعر تستطيع ترويض كل شيء مثل المكان والزمان، وهل يكون الترويض حلمياً باعثاً على التأمُّل والدهشة، أكثر من واقعياً؟
**نعم، اللغة مجرد أداة لتشكيل الصور الإبداعية والجمالية التي تنطلق مع المشاعر الروحية في سياق القصيدة؛ لتصوير حالة المكان والزمان بالصور الجمالية التي تصور المكان والحالة الشعورية وحركات الأفعال مثل الماضي والمضارع التي تمثل الزمان داخل القصيدة، عبر مشاعر تنطلق من الروح تلقائياً. والترويض هنا يكون حلمياً يشمل التأمل والدهشة معاً أكثر من كونه واقعياً.

*الشعر يصبغ العالم بكل مفردات الجمال.. فهل هو فعلٌ تتجدَّد به العلاقات بين الكلمات والواقع؟
**نعم، أنا قلت من قبل في سياق هذا الحوار: الشعر له وظيفة مجتمعية لتشكيل جماليات الوعي والفكر؛ لتبدو الحياة بألوان الفضيلة، تحتويها روح الحب والسلام، فتمحو فوضى الليل والنهار. من هنا في الشعر تتجدد اللغة بلغة العصر، وتقترب المسافة بين الذات والآخر وبالتالي تتجدد العلاقة بين الكلمات والواقع؛ ليصبح لكل عصر لغته وكلماته التي تختلف من عصر إلى آخر. والشعر جسور تمتد و تتفاعل مع الواقع بين المحسوس والمجرد.

*تأنيث الأشياء لإثراء محاورتها، هل أصبحت ظاهرة شعرية لافتة؟
**الجماليات في الشعر ضرورة، وتأنيث الأشياء من جماليات الشعر، والتراث الشعري القديم مملوء بهذا التأنيث، وهذه اللقطة قابلة للتطور والتنوع والتعدد؛ لأن تأنيث الأشياء يخلق نوعاً من الدراما بين الأطراف الفعالة في القصيدة، كما أنه يعطي رقة وعذوبة وليونة وجاذبية لمشاعر الشاعر؛ لخدمة الصورة الجمالية، خاصة في شعرنا المعاصر، لذلك أصبحت ظاهرة شعرية ملموسة ولافتة للنظر، كما أنها أصبحت أداة جمالية مجازية ووجودية وفلسفية في الوقت نفسه، تفتح مجالاً مرناً للشاعر في تركيبة إبداعية في غاية الأهمية.

*علمت أنك امتداد لنزار قباني في فكرته عن المرأة.. ما المرأة من وجهة نظرك؟ واذكر لنا بعضاً من قصائدك.
**قالوا عني كثيراً إنني امتداد للشاعر الراحل الكبير نزار قباني في فكرته عن المرأة، وحصلت على لقب “شاعر المرأة” من قِبل الجمهور والإعلاميين. وأنا كشاعر أعشق المرأة وأقدسها، لذلك تبنيت ملف “المرأة والمجتمع”، وهو ملف شائك، وأحد بنود أهداف التنمية المستدامة المخطط لها في ميثاق الأمم المتحدة. المرأة هي الروح، هي الرقة، هي العذوبة، هي الجمال، هي الحنان، هي الحياة بكل جمالها ومعانيها. المرأة كأوراق الياسمين، نشم عبير أنفاسها، ونضع أوراقها أوسمة للصدور وتيجاناً للرؤوس. لولا المرأة ما كانت الحياة على وجه الأرض، فجميع الأوطان ولدت من رحم المرأة. المرأة هي بهاء الحياة، لولاها أظلم الكون. المرأة هي كل جميل، يليق بها؛ والجمال كألوان الطيف تتزين به السماء والأرض. المرأة كائن حي، خليط من المشاعر، حينما تتحرك هذه الكتلة تغير نواميس الكون كله. والمرأة الجميلة هي من تصنع “الكوكتيل” من فاكهة قلبها حباً وعشقاً وحناناً وسكر لسانها. ما أجمل هذا الكوكتيل من قلبك الجميل، حكمة أنت معناها أيتها المرأة. والمرأة حينما يغيب عنها الحب تذبل -الحب هو روحها- ، حينما يغيب عنها الحب تصبح شوكاً في رقاب الحياة، فتذبل الحياة كما ذبلت المرأة. من خصائص المرأة: الرقة والعطر والجمال والحب والأنوثة، لو أهملت المرأة خصائصها تحولت من وردة إلى عشب تأكله الحيوانات. المرأة لا تبكي على شيء، بل تبكي على مشاعرها وقلبها الذي فُقد في متاهات الحياة .من قصائدي عن المرأة:
“أعْصرُ فِي واحتِكِ الرُّوحَ،
وتعْتصرِينَ بأوْردَتِي
للجمْرِ سماءٌ أمْطرتْ العذْبَ
عَلَى الأوْطَانِ،
وأنتِ تهزِّينَ النَّخْلَ المُثْمرَ
للبُسَطاءْ،
فكلانَا بينَ ترُوسِ البَوَّاباتِ
دَوَّارٌ مِنْ صهْدٍ،
وسِقَاءٌ يطْفِىءُ عَطشَ البَحرْ
يطْفِىءُ عَطشَ البَحرْ”
مقطع آخر من قصيدة “حين يجف النهر”:
“يَا سَيِّدَتِي
حِينَ يَجِفُّ النَّهْرُ
وَتَصْمُتُ فِيكِ الشَّطْآنْ
وَتَفِرُّ عَقَارِبُ أَيَّامِكِ فِي الْهِجْرَانْ
تَسْحَلُ حُلْمًا كَانَ.. فَمَاتْ
تَرَكَتْ فِي الْبَدْرِ خُسُوفًا لِلْأَحْزَانْ
لَكِنْ يَا سَيِّدَتِي أُجَنُّ
مِنْ سِحْرِ الْمَاسِّ فِي عَيْنَيْكِ
مِنْ شَغَفِ الْيَاقُوتِ عَلَى وَتَرِ الْعِشْقْ
مِنْ شِعْرٍ يَتَغَنَّى فِي وَصْفِ تَفَاصِيلِكْ
حِينَ تَهِيمُ الشَّمْسُ بِصَدْرِ نَهَارٍ
كَانَتْ رُوحَانَا
كَانَ النَّبْضُ لُحُونًا عَزَفَتْ
هَمْسَ الْقُبْلَةِ فِي شَفَتَيْكِ”

*دارت الكثير من السجالات بين الشعراء والنقاد عن قصيدة النثر.. هل هي بذرة تجديد إيقاعي وحداثة إبداع؟
**قصيدة النثر شكل أدبي جديد تقليداً للشعر الأجنبي، وهذا الشكل الأدبي الجديد لا ينفي كل أشكال الشعر التي سبقته، وقصيدة النثر لا تحل محل الشعر بصفة عامة، بل قصيدة النثر هي شكل أدبي إلى جانب الأشكال الشعرية الأخرى مثل الرواية والقصة القصيرة والأقصوصة، كلها أشكال أدبية لا تلغي ما سبقها من أشكال. وقصيدة النثر ظلمت نفسها حينما سُميت “بقصيدة النثر”؛ كان يمكن تسميتها بـ”السرد التعبيري”؛ لأن كلمة “نثر” تفقدها قوامها البلاغي والجمالي. ظهر أيضاً “الهايكو” والومضة والمتلازمة، كلها أشكال أدبية ظهرت في العصر الحديث، لكن أي شكل أدبي جديد لا يلغي ما قبله من الأشكال الأدبية القديمة.
الإِبْدَاعُ الحَقِيقِيُّ كَمَا الطَّيْرِ
لا يُحِبُّ أَنْ يَسْكُنَ القَفَصَ
يَكْرَهُ القُيُودَ
بَلْ يَعْشَقُ الانْطِلاقَ
بِأَجْنِحَةِ البَلاغَةِ فِي التَّحَرُّرْ.

*هل تُعدُّ منجزاً شعرياً جديداً؟
**لي ديوان سيصدر قريباً بعنوان: (خروج عن النص)، ولدي ديوان تحت الطبع بعنوان: (ريثما تتفوه الروح)، وكتاب آخر بعنوان: (شذرات من سفر الروح).

حاورته: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى