رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :من كامب ديفيد الى حروب ايران: بين الثرثرة والارقام

وقع الرئيس المصري انور السادات معاهدة كامب ديفيد في نفس العام الذي قامت فيه الثورة الايرانية(1979)، وكانت مصر حتى تلك اللحظة هي “مركز الكتلة العربية” ، لكنها وقفت موقفا سلبيا للغاية من إيران ، ووعدت بان مصر ستصبح “الدنمارك او النرويج” هكذا بالنص في احد خطابات السادات ، وافترضت ايران انها ستطوي مرحلة “حضور الشيطان الاكبر” في المنطقة ،وكرر خامنئي ذلك اكثر من مرة..
لكن الفشل رافق المشروعين ، فلا مصر حققت اية نتائج تطورية ورخاء موعودا ،ولا ايران طردت “الشيطان الاكبر ” من المنطقة، بل زاد الوضع سوءا لكل منهما. ولكي لا نبقى في اطار الجدل “النظري” وتاكيد ان العرب “ظاهرة لغوية” ، دعونا نعطي المؤشرات على النتائج.
في تقديري ان مؤشر “الاستقرار السياسي” يختصر الجدل كله، فهو يتضمن الابعاد السياسية (الديمقراطية وفروعها) والاجتماعية( حقوق الاقليات ،والجريمة، والفساد..الخ) والاقتصادية( معدلات النمو ،والفروق الطبقية او عدالة توزيع الثروة بين الافراد وبين الاقاليم في الدولة الواحدة،..الخ) والعسكرية(الحروب الاهلية والدولية والانقلابات وتدخل الجيش في السلطة…الخ)، ليصل مجموع المؤشرات التي يتم قياسها لتحديد مستوى الاستقرار السياسي الى 352 مؤشرا في بعض النماذج و 285 في نماذج اخرى.
عند القياس يتبين لنا ما يلي( المقارنة بين 1979( توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل وقيام الثورة الايرانية في نفس العام) حتى العام الحالي(2026):
اولا: عند قياس مؤشر عدم الاستقرار في 19 دولة عربية(بلاد الشام والعراق، الخليج العربي واليمن، وادي النيل، المغرب العربي) تبين لنا ان معدل “عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية” يعادل 9.2 ضعف معدل عدم الاستقرار السياسي العالمي ، وفي تقديري ان هذا الفارق لن يتراجع في المدى القصير، ثم انه لو تراجع من الآن ،فانه بحاجة لعقدين من الزمن لنعود الى ما كنا عليه رغم سوئه.
ثانيا: يتم قياس معدل الاستقرار السياسي لاية دولة على اساس سُلم يبدأ من صفر الى +2.5( وهو اعلى درجات الاستقرار) و ينتهي الى من صفر الى سالب – 2.5 وهو اعلى درجات عدم الاستقرار)، وطبقا لهذا السُلم فان معدل عدم الاستقرار العربي هو بالسالب وبمقدار 0.76، وهو ما يعني ان مرحلة ما بعد كامب ديفيد عرفت تصاعدا تدريجيا في عدم الاستقرار ، وشكلت الفترة من 2012-2022 تزايدا واضحا، ثم قفزة قفز مخيفة بين 2022-الآن.
ثالثا: لو حددنا الأقاليم الفرعية في الاقليم العربي ككل سنجد أن القوى المركزية في كل اقليم فرعي اتجهت نحو مزيد من عدم الاستقرار في الاتجاه العام خلال فترة القياس (1979-الآن)، وهي على النحو التالي:
أ‌- -بلاد الشام والعراق- بلغ المعدل السلبي في العراق 2.13 وفي سوريا بالسالب 1.50( من 2.5 بالسالب وهو اعلى درجات عدم الاستقرار)
ب‌- الخليج واليمن- بلغ المعدل بالسالب في السعودية 0.41 وفي اليمن 2.22
ت‌- وادي النيل : بلغ المعدل في مصر بالسالب 1.01 وفي السودان 2.14
ث‌- المغرب العربي – بلغ معدله بالسالب في ليبيا 1.14 وفي الجزائر بالسالب 1.19
ذلك يعني ان هناك علاقة ارتباط واضحة بين معدل عدم الاستقرار وبين القيمة المركزية للدولة في اقليمها الفرعي( مضافا له الوضع الداخلي لكل دولة) ، فمثلا عدم الاستقرار في العراق وسوريا يترك ظلاله على الاردن( سالب 0.42) ولبنان(بالسالب 1.23)، وهكذا مع بقية الاقاليم الفرعية.
رابعا :لنقارن الاقليم العربي مع بقية الاقاليم الرئيسية في العالم:
قلنا ان معدل الاستقرار في المنطقة العربية(19 دولة) بالسالب وهو0.76، بينما هو في بقية اقاليم العالم على النحو التالي : (+ ايجابي و – سلبي) :
اوروبا: + 0.40
آسيا – 0.28
افريقيا – 0.74
امريكا الشمالية +0.49
امريكا الجنوبية –0.27
جنوب شرق آسيا – 0.13
ذلك يعني بوضوح اننا نتصدر اقاليم العالم في عدم الاستقرار، فلا داعي لتباهي اي نظام عربي على غيره من الانظمة،كلهم في الهَمِ شرقُ(على راي احمد شوقي)
أخيرا:
سبق لي ان قلت في دراسة منشورة ان عام 2026 سيكون عام الشؤم ، فلا انصار امريكا ولا خصومها في المنطقة جلبوا استقرارا ، ولا يبدو انهم سيجلبونه في المدى القريب او المتوسط، فالبنيات السياسية المتكلسة تأبى الادراك لتعقيدات الواقع الدولي (التنافس ما بين الروابط العضوية والروابط الآلية ) والمستوى الاقليمي( ان الدولة المعاصرة اكبر من المشكلات الصغرى لكنها اضعف من المشكلات الكبرى) والمستوى الوطني( ان الدولة تخلت عن مهامها الصغرى لتتفرغ لمهامها الكبرى في الافق العالمي فضاع دورها المحلي وفشلت في دورها الدولي).
سؤال افتراضي: لو اختفت اسرائيل من الشرق الاوسط ، هل يمكن تصور حال الشرق الاوسط بدونها؟ هذا ما يسمونه في الدراسات المستقبلية “السيناريو الرجعي”(Back cast Scenario )، بان ” تتخيل ” انك في عام 2040 وتضع فرضية معينة مثل ان “الشرق الاوسط بدون اسرائيل” ثم تبدا بوصف عام 2039 ثم 2038 وتعود لكل سنة عكسيا…الى ان تصل الى اللحظة الحالية ، وهو ما يستلزم الاستعانة بنظرية النظم الرمادية(Grey System Theory)، ويمكن العودة للدراسة التالية لادراك اهمية هذا النمط من التفكير المستقبلي :
W.Nikolakis-Participatory Backcasting-2020
كما ان معهد FIIA الفنلندي يستخدم هذه المنهجية بشكل متواصل، ويمكن الاستعانة بها، فهي تفتح آفاقا معرفية لا يتنبه لها الباحث عند استخدام بناء السيناريوهات التقليدية…فهل تحاول مراكز ابحاثنا العربية ؟..ربما مترددة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى