
دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله في قصيدة( عُودُ الفَنَنِ ) للشاعر التونسي توفيق النهدي…
البنية الإيقاعية والدلالية في قصيدة “عُودُ الفَنَنِ”: مقاربة أسلوبية تأويلية
….
تنهض القصيدة العربية العمودية على تفاعل معقد بين البنية الإيقاعية والحمولة الدلالية، بحيث يغدو الوزن عنصراً منتجاً للمعنى لا مجرد إطار شكلي له. وفي هذا السياق تندرج قصيدة “عُودُ الفَنَنِ” ضمن نمط شعري يستثمر إمكانات البحر الكامل بوصفه فضاءً إيقاعياً قادراً على احتواء التوترات الوجدانية والتأملات الوجودية.
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل آليات اشتغال النص على مستويين متداخلين: الإيقاعي والدلالي انطلاقاً من مقاربة تستند إلى مفاهيم نقدية حديثة خاصة تصور رولان بارت للنص بوصفه “نسيجاً من العلاقات” حيث لا يختزل المعنى في قصدية جاهزة بل يتولد من تفاعل البنى الداخلية…
إشكالية البحث
تنطلق الدراسة من الإشكالية الآتية:
هل يؤدي الإيقاع في قصيدة “عُودُ الفَنَنِ” وظيفة دلالية منتجة أم يظل عنصراً شكلياً يوازي الدلالة دون أن ينفذ إلى بنيتها العميقة؟
ويتفرع عن ذلك:
كيف تتجسد العلاقة بين البنية الإيقاعية والبنية الدلالية داخل النص؟
إلى أي مدى يسهم الانزياح الأسلوبي في إنتاج الشعرية؟
هل ينفتح النص على تعددية التأويل أم ينغلق ضمن أفق دلالي محدد؟
فرضيات البحث
تفترض الدراسة ما يلي:
يؤدي الإيقاع وظيفة دلالية فاعلة حيث يسهم البحر الكامل في تجسيد التوتر الوجودي داخل النص.
يبني النص حقلاً دلالياً دائرياً مغلقاً يعكس بنية شعورية قائمة على التكرار والانحباس.
يتأرجح الخطاب الشعري بين انزياح منتج للشعرية ونزوع نحو المباشرة يحد من كثافتها.
البنية الإيقاعية بوصفها منتجاً للدلالة
ينبني النص على البحر الكامل الذي يتيح إيقاعاً متدفقاً يتلاءم مع تصاعد الانفعال. ويتجلى ذلك في مطلع القصيدة:
” صَدَحَتِ المَزَامِيرُ بِغُلُوِّ اللَّحنِ
وَصَاحتِ الحَنَاجِرُ بِعُلُوِّ الشَّجَنِ ”
لا يقتصر التوازي بين “غلو” و”علو” على بعده الصوتي بل يؤسس علاقة تضخيم دلالي حيث يتحول الصوت إلى تمثيل مكثف للألم بما يجعل الإيقاع آلية لإنتاج المعنى لا مجرد حامل له.
أما القافية الموحدة (النون المكسورة)، فتؤدي وظيفة بنيوية تتجاوز التوحيد الصوتي، إذ تنشئ ما يمكن تسميته بـ”الإغلاق الإيقاعي”، بما يعكس بنية دلالية قائمة على الدوران داخل تجربة الألم دون أفق انفراج.
غير أن هذا الثبات الإيقاعي رغم انسجامه مع الرؤية يحد من إمكانات التنويع مما يرسخ طابعاً دائرياً قد يفضي إلى نوع من الرتابة الإيحائية….
البنية الأسلوبية
الانزياح بوصفه أداة إنتاج الشعرية
يتجلى الانزياح في صور تنقل التجربة من مستوى الإدراك المباشر إلى مستوى التوتر الحسي المركب:
” تَفُوحُ الجِرَاحُ فِي عُمقِ الحَزَنِ ”
يتحول الجرح هنا من معطى بصري/جسدي إلى ظاهرة شمية في إطار تراسل الحواس بما يؤدي إلى تكثيف التجربة الشعورية وتحرير اللغة من وظيفتها الإبلاغية….
التكرار وبناء الحقل الدلالي
يتكرر حضور مفردات مثل: الزمن، الوهن، الحزن، ضمن شبكة دلالية مغلقة لا بوصفها حشواً بل كآلية بنائية تعكس انحباس الذات داخل تجربة زمنية قاهرة…
حدود الانزياح
رغم ذلك ينزلق الخطاب في بعض المواضع نحو المباشرة:
” نَمُرُّ فِي دَربِ الحَيَاةِ كَأَننَا ظِلٌّ…”
وهي صورة تقليدية تستعيد نموذجاً مألوفاً مما يحد من كثافة الإدهاش ويعيد اللغة إلى وظيفتها التمثيلية…
البنية الدلالية
تتأسس الدلالة في النص على ثلاث بؤر مركزية:
الزمن بوصفه قوة قاهرة
الجسد بوصفه موضع الألم
الصمت بوصفه أفقاً نهائياً
” حَتَّى نُلاَقِي الصَّمتَ فِي سِرِّ الوَسَنِ ”
يمثل الصمت هنا لحظة اكتمال وجودي لا مجرد غياب غير أن هذا التحديد الدلالي القوي يحد من انفتاح النص على تعددية التأويل.
وفي هذا السياق يمكن استحضار تصور T. S. Eliot الذي يرى أن الشعر الحقيقي يخلق أثراً يتجاوز الفهم المباشر وهو ما يتحقق في النص ….
الصوت الشعري
يقدّم النص خطابًا أحادي الصوت يتمحور حول ذات متأملة تنغلق على تجربتها. ووفق تصور ميخائيل باختين فإن غياب التعدد الصوتي يحد من الحوارية ويجعل النص أقرب إلى بنية تأملية مغلقة بما يعزز التماسك ويقلل من دينامية التأويل…
تفضي نتائج هذه الدراسة إلى أن قصيدة “عُودُ الفَنَنِ” تشيد بنية شعرية تتكامل فيها الوظيفة الإيقاعية مع البنية الدلالية في إنتاج خطاب وجودي مشحون بالتوتر والانغلاق. ويؤدي البحر الكامل في هذا السياق دوراً دلالياً يتجاوز الإطار الشكلي ليغدو عنصراً مولداً للمعنى في حين تسهم تقنيات الانزياح والتكرار في تكثيف البعد الشعوري ضمن حقل دلالي دائري.
غير أن هذا التماسك البنيوي يقابله حدّ تأويلي يتمثل في هيمنة أحادية الصوت الشعري وانزلاق الخطاب في بعض مستوياته نحو المباشرة، مما يقيد انفتاح النص على تعددية الدلالة.
وعليه، ينتمي النص إلى أفق شعري يجمع بين النضج التعبيري والانغلاق التأويلي حيث يحقق كثافة أسلوبية محسوبة تظل محكومة بحدودها بما يحول دون انفتاحه الكامل على أفق “النص المفتوح” كما تصوره رولان بارت….
النص :
…..عُودُ الفَنَنِ…..
صَدَحَتِ المَزَامِيرُ بِغُلُوِّ اللَّحنِ
وَصَاحتِ الحَنَاجِرُ بِعُلُوِّ الشَّجَنِ
ذَاكَ الدَّهرُ وَمَا أَفرَزَ مِنَ الوَهَنِ
فِي مُقلَةِ تَشكُو مِن كَرِّ الزَّمَنِ
وَإِن سِرنَا استِقَامَةً كَعُودِ الفَنَنِ
سَيَرَوْنَنَا نَتَمَايَلُ مِثلَ السُّفُنِ
تَنفَطِرُ النُّفُوسُ مِن وَجَعِ البَدَنِ
وَلَا تَلِينُ إِلَّا برَحمَةِ اللّدُنِ
مِثلَ دَفِينٍ فِي المُهلِ وَالدَّرَنِ
أَو كَمَثَلِ المُعتَقِدِ عَابِدِ الوَثَنِ
كَم لِلسَّحَابِ مِن مَاءٍ وَمِن مُزنِ
وَكَم لِحُسنِ المَآبِ مِن أَجرٍ وَثَمَنِ
وَنَرَى الجِرَاحَ تَفُوحُ فِي عُمقِ الحَزَنِ
كَنُدُوبِ دَهرٍ قَد تَكَاثَرَ فِي الجَفَنِ
نَمُرُّ فِي دَربِ الحَيَاةِ كَأَننَا
ظِلٌّ يَمُرُّ فَوقَ مَسَارِ الوَهَنِ
وَتُعِيدُنَا أَشْوَاقُ أَروَاحٍ إِلى
صَمتٍ يُعَلِّمُنَا انْكِسَارَ الزَّمَنِ
نَرَى المَنَايَا تَستَدِيرُ بِصَمتِهَا
كَأَنَّهَا ظِلُّ انْقِضَاءِ المِنَنِ
وَنَبقَى نُفَتِّشُ فِي بَقَايَا عُمرِنَا
حَتَّى نُلاَقِي الصَّمتَ فِي سِرِّ الوَسَنِ..
الشاعر : توفيق النهدي