كتاب وشعراء

فاطمة…..بقلم محب خيري الجمال

فاطمة
تحتَ قميصِ الليلِ،
كان العشقُ يمشي على مهلٍ،
كأنّهُ يتعلّمُ أسماءَ الضوءِ واحدًا واحدًا،
والأرواحُ التي مرّتْ هنا
لم تكن حافيةً تمامًا،
كانت تخلعُ عن تعبها شيئًا من العالم
وتتركُ للريحِ ما يكفي من الذاكرة.
تجرُّ أكمامَها المضيئةَ
كفقيراتٍ سُكْرَى بالنور،
وتنثرُ على العتمةِ غبارَ تسبيحةٍ لا تنتهي.
العالَمُ هنا
ليسَ مدينةً بل قلبٌ هائجٌ
يَفيضُ من نوافذِه اللهبُ والحنين،
ويتعلمُ أن يحترقَ كما يحترقُ العاشقُ في حضرةِ المعنى.
المصابيحُ المُعلَّقةُ فوقَ الأزقّة
بدتْ كأعينٍ مقلوعة
تتمايلُ بخفّةِ جثامينَ صغيرة،
والريحُ
تكنسُ الأدراجَ العتيقة بمكانسَ من عظامِ المِلاحينَ
الذينَ أضاعوا الجهاتِ
في لجّةِ الزَّبَد.
كنتِ تمشينَ أمامي بخُطا وئيدة،
كأنّكِ تحملينَ مقبرةً سِرّيّةً في تجاويفِ الرُّوح.
كلُّ شيءٍ حولكِ
كان يذبلُ في تؤدةٍ حزينة:
الأبواب،
القططُ الساهرة،
الشرفاتُ المُلطَّخةُ بندى البحر،
حتّى القمر بدا كدِرهمٍ أُمويٍّ صدئ
سقطَ من جيبِ خليفةٍ سكير..
فاطمة،
أنا الذي أفنيتُ عُمري أحشو رئتَيَّ بدخانِ الخيبات،
لم أكنْ أطلبُ نجاةً كاملة،
بل كنتُ أبحثُ
عن حفرةٍ دافئة أدفنُ فيها رأسي
بعيداً عن ضوضاءِ العالم وصليلِ أيّامهِ اليابسة.
لكنَّ العالمَ
كان ينمو في داخلي كورمٍ بحريٍّ أعمى،
تنبثقُ منهُ أذرعٌ رخوة
تلتفُّ حولَ عنقي كأفاعي الكُتّابِ المنفيّين.
في المقهى العتيق،
حيثُ الطاولاتُ مضرّجةٌ ببقعِ النبيذ وأصابعِ الغائبين،
رأيتُكِ تُحدّقينَ
في الفراغ
كأنّكِ تُصغينَ إلى سقوطِ مملكةٍ كاملة داخلَ قلبكِ.
وحينَ ابتسمتِ
تساقطَ شيءٌ خافت من جدرانِ روحي،
كفسيفساءِ قصرٍ مهجور
أكلتْهُ الرطوبةُ وأدعِيَةُ الأرامل..
قلتِ لي:
إنّ البشرَ يشبهونَ القوافلَ المتأخّرة،
كلُّ واحدٍ منهم
يحملُ قطيعاً من الوجوهِ المُتعَبة ويمضي نحوَ خانٍ
لا يعرفُه،
ومنذُ تلكَ الليلة
صارَ نومي ممتلئاً بصفّاراتِ السفن ونحيبِ الأطفال
الذينَ يركضونَ حفاةً فوقَ زجاجِ الذكرى.
فاطمة،
أنا لا أخافُ الموت، لكنّني أخشى أن أبقى حيّاً
بهذا القدرِ من الخراب.
أحياناً
أشعرُ أنّ رأسي ليسَ سوى مخزنٍ أندلسيٍّ مهجور،
تتدلّى من سقفهِ
خطّافاتُ الجزّارين،
وفي زواياهُ تنامُ أفكارٌ متعفّنة تفوحُ منها
رائحةُ المرافئِ الاستوائيّة
والأدويةِ الكاسدة
ومواويلِ السكارى.
حتّى جسدي لم يعدْ يُطاوعني،
أعضائي موزّعةٌ بين تعبٍ عتيق وشهواتٍ عرجاء،
وشراييني
تبدو كأنفاقِ سقايةٍ مهجورة
تعبرُها الجرذانُ
وأغنياتُ الرُّعاةِ الحزانى.
كلّما حاولتُ ترميمَ نفسي انهارتْ قطعةٌ أخرى.
وكلّما غسلتُ قلبي
بقليلٍ من الصمت عادَ العالمُ ليسكبَ فيهِ رمادَهُ
ووحلَ خرائبه.
لهذا،
حينَ أنظرُ إليكِ الآن
أراكِ
كجزيرةٍ بعيدة يُحيطُ بها الضبابُ والدخان،
جزيرةٍ
يصلُ إليها الناجونَ متأخّرين
بوجوهٍ متشقّقة وأيدٍ فارغة.
وأنا
واحدٌ منهم،
مِلاحٌ أعمى أضاعَ مراكبَهُ كلّها،
ثمّ جلسَ على الرصيف
يُحصي ما تبقّى
في جيوبه من ملحٍ وأغانٍ
ومفاتيحَ صدئةٍ
لأبوابٍ
لم تَعُدْ موجودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى