تقارير وتحقيقات

بقلم إسرائيلي.. إيران لم يربكها ترامب: الإدارة الأمريكية ونتنياهو هما من وقع في الفخ

رأت محللة سياسية في صحيفة “معاريف” العبرية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يربك إيران، إنما الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو هما من وقع في هذا الفخ.

وجاء في مقال المحللة آنا بارسكي: “الرئيس الأمريكي يحاول أن يظهر بمظهر من كسر إيران ومن يعرف كيف ينهي الحروب في آن واحد؛ والنظام الإيراني تعرض للضرب لكنه لم يخضع، ويصر على عدم دخول غرفة المفاوضات وهناك مسدس بحري-اقتصادي موجه إلى رأسه؛ وإسرائيل، مرة أخرى، في الموقع غير المريح حيث تدير حليفتها الكبرى الحدث وفق المصلحة الأمريكية الواسعة – وليس وفق قائمة أمنيات القدس: هذه هي الصورة المألوفة (لا البطولية البتة) الكامنة وراء العناوين الكبرى”.

لذلك، فإن الحديث عن “عدم الوصول إلى المحادثات في باكستان”، وفقا للمقال، هو سرد لوصف القصة فقط. لم تصل إيران إلى محادثات إسلام آباد لأنها، من وجهة نظرها، لا تعتبرها مفاوضات بل اختبار استسلام. لقد مددت واشنطن وقف إطلاق النار، لكنها أبقت الحصار على الموانئ الإيرانية قائما واستمرت في بث التهديد العسكري. بالنسبة لطهران، هذه طاولة تحقيقات وليست مفاوضات. أما بالنسبة لترامب، فهذا هو النموذج بالضبط: أقصى قدر من الضغط مع باب طوارئ مفتوح لصفقة.

وهنا تدخل باكستان، ليس كلاعب خارق، بل كوسيط يحاول شراء الوقت لجانبين غير مستعدين بعد للحسم. وبالتزامن مع طلب تمديد وقف إطلاق النار، أُفيد بأن إيران لم تبلور بعد “مقترحاً موحداً”.

في كل من تل أبيب وواشنطن يعرفون كيفية قراءة مثل هذه الصياغات: هناك خلاف في القمة الإيرانية، والوسطاء يطلبون بضعة أيام إضافية للتأكد من الذي يدير العرض حقا. وبالفعل، لا يقتصر الأمر على الفجوة بين الولايات المتحدة وإيران، بل يتعلق أيضا بصعوبة إيجاد صيغة حوار يمكن لكلا الجانبين عدم الظهور من خلالها وكأنهما تراجعا.

وهذه، حسب بارسكي، واحدة من أهم النقاط لفهم صورة الوضع: المشكلة ليست فقط فيما يريده دونالد ترامب، بل فيمن هو المفوض بالضبط حاليا للتعبير عن إرادته في إيران. يجب التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن قيادة إيرانية “منقسمة”: فبعضها يأتي من مصادر أمريكية أو باكستانية وقد ينطوي على عنصر من عناصر الحرب النفسية.

ولكن حتى بعد انقشاع الدخان، تبقى حقيقة أساسية: هناك فجوة بين المنطق السياسي المتمثل في العودة للمحادثات، وبين المنطق النظامي المتمثل في عدم الظهور بمظهر من يجرجَر إلى الطاولة من موقع ضعف. فالحرس الثوري، والمؤسسة السياسية، والمستوى الأعلى لا يتحدثون بالضرورة بصوت واحد.

ووفقا للمقال، الموقف الإيراني واضح تماما: بدون تخفيف حقيقي للحصار والإغلاق، لا توجد “مفاوضات حقيقية”. إن المحادثات التي يتحدث فيها طرف عن الدبلوماسية وفي الوقت نفسه يحتفظ لنفسه بالحق في خنق الطرف الآخر اقتصادياً وبحرياً، هي سابقة خطيرة لمفاوضات تحت الإذلال. وهذا ليس مجرد موقف تكتيكي، بل موقف كرامة نظامية.

وترامب من جانبه يحاول اللعب على خيط رفيع للحفاظ على صورتين لا تتوافقان بشكل طبيعي: رئيس استخدم قوة حازمة ضد إيران، ورئيس يمكنه “إبرام صفقة” وإعادة الاستقرار. وإذا نجح، فسيبيع للجمهور الأمريكي نصراً مزدوجاً من الحزم والحكمة.

وإذا فشل، فقد تنقلب الصورة: ليس كزعيم داهية، بل كرئيس يتأرجح بين التهديد والتردد، وبين عملية عسكرية وعنوان تلفزيوني عن المفاوضات. وفي السياسة الأمريكية – كما في السياسة الإسرائيلية – لا يوجد شيء أقسى من زعيم يبدأ في الظهور وكأنه يستجيب للأحداث بدلاً من إدارتها.

وهنا تبرز مشكلة ترامب – الرسائل المزدوجة. يمكن تسمية ذلك “استراتيجية الضغط الأقصى مع فتح مخرج”، ويمكن تسميته أيضا “تذبذباً”. هناك من يعتقد أن هذا الازدواج هو السر بالضبط: إجبار إيران على فهم أن الباب مفتوح، لكن الممر لا يزال مفخخا. ويخشى آخرون أن تكون الرسائل المتناقضة لا تخلق ردعاً، بل ارتباكاً – لدى الخصم، ولدى الحلفاء، وأحياناً داخل الإدارة نفسها.

حسم أم استنفار مستمر؟

لم يتحول ترامب إلى حمامة سلام بين عشية وضحاها، بل أدرك أن الاستمرار التلقائي للضغط العسكري حاليا لن يخدمه بالضرورة سياسيا أو استراتيجيا. واعتادت إسرائيل على التفكير بمصطلحات التهديد المتراكم، أما الولايات المتحدة، خاصة في سنة انتخابات وفي مناخ اقتصادي حساس، فكثيرا ما تفكر بمصطلحات إدارة الأزمة.

وفي تل أبيب، لا يحبون ما يرونه، لكنهم أيضا لا يستطيعون قول ذلك بصوت عال جدا – فإسرائيل لا تريد أن تظهر بمظهر من يعمل علانية على تقويض رئيس أمريكي يوفر لها غطاءً سياسيا وعسكريا واسعا.

لكنها تخشى – وبحق – من تجميد الزخم قبل تحقيق جميع الأهداف التي تراها ضرورية: تقليص كبير لتهديد الصواريخ، ضربة أعمق للقدرات الإقليمية لإيران، وآلية تضمن ألا يكون وقف إطلاق النار مجرد هدنة استعدادا للجولة القادمة.

لذلك، يستمعون في إسرائيل بشكل أقل للتصريحات حول “الفرصة السياسية” وبشكل أكثر للتفاصيل الصغيرة: هل سيخفف الحصار، هل سيفتح هرمز، هل ستستأنف المحادثات؟ وماذا عن حرية العمل الإسرائيلية إذا تبين أن التسوية مجرد خدعة مؤقتة؟

بالنسبة لإسرائيل، هناك خطر مزدوج. الخطر الأول هو تسوية منقوصة للغاية: صفقة تحقق الاستقرار في هرمز، وتهدئ الساحة وتسمح لترامب بإعلان إنجاز – لكنها تترك في يد إيران قدرات ومساحة تنفس كافية لتعود وتزعج المنطقة بعد بضعة أشهر.

الخطر الثاني هو العكس: فترة انتقالية ممتدة من “لا حرب ولا سلام” تستمر فيها إيران في استنزاف المنظومة البحرية والاقتصادية، ويبقى المحور الإقليمي قابلا للانفجار.

بالنسبة لإسرائيل، قد يكون السيناريو الثاني أكثر خطورة، لأنه يتطلب استنفارا مستمرا دون الحسم الواضح الذي كانت تل أبيب تأمل فيه.

كما أن القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من سؤال ما إذا كان سيكون هناك وقف لإطلاق النار، بل من سؤال ماهيته. إذا كان الأمر يتعلق بهدنة لغرض بلورة آلية أكثر صرامة تجاه إيران – فيمكن لإسرائيل التعايش مع ذلك. أما إذا انزلقت هذه الهدنة إلى صفقة جزئية تركز على هرمز، وأسعار النفط، وعنوان أمريكي عن “الاستقرار” وتدفع إلى الهامش مشروع الصواريخ، وأدوات النفوذ الإيرانية، وقضية الأذرع الإقليمية – فهذه ستكون بداية لعدم استقرار حقيقي.

وفوق كل ذلك تخيّم المسألة السياسية: ماذا يفعل هذا لنتنياهو؟ هنا يجب الحذر من التبسيط: فهو لا “يخسر” تلقائيا من كل هدنة، كما أنه لا “يربح” من كل مواجهة. لكنه بالفعل يجد نفسه مرة أخرى في ذلك الموقع المألوف حيث لا تترجم النجاحات العسكرية بالضرورة إلى ربح سياسي، خاصة إذا بدت النهاية وكأنها فُرضت من الخارج أو توقفت قبل اكتمال صورة “النصر”.

بالنسبة له، المشكلة مزدوجة: إذا جلب ترامب تسوية، فسيذهب الفضل للبيت الأبيض؛ وإذا تبين أن التسوية هشة، فسيكون السؤال الشعبي في إسرائيل هو لماذا انتهت الحملة مرة أخرى دون تغيير استراتيجي واضح. هذا هو المأزق بالضبط: إذا نجح ترامب، يُدفع نتنياهو إلى الهامش؛ وإذا فشل ترامب، سيتعين على نتنياهو شرح سبب ثقته، وانتظاره، ومسايرته، أو على الأقل عدم كبحه للأمور.

لدى نتنياهو أيضا مصلحة سياسية فورية. طالما ظل الوضع غامضا، يمكنه تبني أسلوب قديم والاستمرار في التحدث بلغتين: تجاه قاعدته – سيتحدث عن “الإصبع على الزناد”، والحزم، وعدم الثقة الأساسي بإيران، وتجاه واشنطن – سيتحدث عن التنسيق، والمسؤولية، وفهم الحاجة لاستنفاد القناة السياسية. المشكلة في هذا الأسلوب: أنه يعمل فقط حتى اللحظة التي يطرح فيها الجمهور السؤال البسيط – إذا كان الأمر كذلك، فلماذا انتهى هذا مرة أخرى في المنتصف؟

استقرار أم تغيير؟ ماذا بعد؟

حالياً هناك أربعة سيناريوهات محتملة.

الأول: استئناف المحادثات خلال أيام إذا نجحت باكستان في صياغة معادلة وسيطة، وبلورت إيران موقفا أكثر توافقا.

الثاني: استمرار وقف إطلاق نار هش وسط حرب استنزاف بحرية-اقتصادية في مضيق هرمز.

الثالث: انهيار الاتصالات والعودة إلى تصعيد أوسع إذا قرر ترامب أن إيران تماطل فقط.

الرابع: صفقة جزئية، لا سلام – تسوية محدودة حول هرمز، لجم معين، والكثير جدا من المشاكل التي تُؤجل لشهرين آخرين أو نصف عام آخر.

في الوقت الراهن، يبدو السيناريو الثاني والرابع أكثر احتمالية من الأول، كما أن الثالث لم يُرفع عن الطاولة.

وحسب المقال، مشكلة إسرائيل هي أنها في ثلاثة من أصل هذه السيناريوهات الأربعة لا تنهي الحدث حقا. في السيناريو المتفائل، ستبدأ واشنطن وطهران في إنشاء مسار سيحد بطبيعته من حرية العمل الإسرائيلية. في السيناريو الهش، ستبقى إسرائيل معتمدة على مزاج البيت الأبيض ووتيرة الخروقات الإيرانية. في سيناريو التصعيد، ستُنجر مرة أخرى إلى مواجهة واسعة. وفي سيناريو الصفقة الجزئية، سيُطلب منها التعايش مع حل لا يحل المشكلة.

هذا هو، بكلمات أخرى، الفرق بين المصلحة الأمريكية والمصلحة الإسرائيلية: الولايات المتحدة يكفيها أحيانا استقرار جزئي؛ أما إسرائيل فكثيرا ما تبحث عن تغيير هيكلي عميق.

المصدر: “معاريف”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى