رؤي ومقالات

وليد محمد يكتب:أنا اللاجئ الفلسطيني.. لماذا لا تعنيني انتخابات لا تمثلني؟

بقي الفلسطيني اللاجئ حاضراً وفاعلاً في فضاء القضية الفلسطينية وأهدافها وحقوقها وسرديتها، وقدم في سبيل ذلك تضحيات جساماً، لكنه لم يحظَ بالقدر ذاته من الحضور والمشاركة في القرارات السياسية والمؤسسات التي تتعلق بالشأن الفلسطيني العام. وهذا ما أحدث هوة عميقة بين مكانة اللاجئ الفلسطيني وموقعه ومشاركته في آليات صنع القرار السياسي والمؤسسي في النظام السياسي الفلسطيني.

وهو بالتأكيد مع الانتخابات الفلسطينية من حيث المبدأ، باعتبارها استحقاقاً وواجباً وطنياً، ولكن الانتخابات المقبلة لا تعنيه ولا تلبي تطلعاته؛ لأنها جاءت وفق آليات غير متوافق عليها وطنياً، ولتتوافق مع توجهات ترمي إلى إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعياته، تماشياً مع متطلبات المرحلة الخطيرة والوجودية التي تمر بها القضية الفلسطينية، والتي فشل فيها الفلسطينيون في الوصول إلى توافق على استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة هذه المتطلبات والتحديات الخطيرة.

ولذلك، فإن لسان حاله يقول: تعنيني فلسطين، ويعنيني حق العودة، ويعنيني أن يكون للاجئ الفلسطيني مكان حقيقي في الخارطة السياسية، لا مكاناً هامشياً يُستعاد عند الحديث عن الشتات، ثم يُنسى عندما تبدأ عملية توزيع النفوذ.

وأنا اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش في المخيم، ويعلم أن فلسطين ليست عنواناً في بطاقة شخصية، بل وجع وقهر مقيمان في القلب، لا تعنيني الانتخابات.

ولأنني أنا اللاجئ، ابن المخيم الذي أنهكه الفقر والتهميش، ويصارع أهله من أجل لقمة العيش والكرامة، وكان في وقت مضى وقود الثورة وحطبها وجسرها الذي عبر الآخرون عليه باتجاه جزء مشوه من الحلم الكبير، لا تعنيني الانتخابات.

لا تعنيني الانتخابات؛ لأنني لا أريد أن أكون رقماً في الحسابات السياسية الضيقة، ولا اسماً في المجمعات الانتخابية المنتقاة، ولا عنواناً يُستدعى حين تحتاجون إلى شرعية.

ربما أكون أكثر الناس حاجة إلى الانتخابات؛ لأنني أريد أن أشعر أنني أشبه كل الناس، وأن لي حقوقاً سياسية وقانونية ووطنية، وأن أتعرف إلى معنى الديمقراطية، ولست مجرد لاجئ يُستدعى إلى المشهد ثم يعود إلى هامشه كشيء منسي.

أنا اللاجئ الذي أيقن أن أزمة الثقة باتت أكبر من أزمة الانتخابات، وأن المسافات باتت طويلة جداً بينه وبين النظام السياسي الفلسطيني، وأن الآليات السياسية والتنظيمية التي تحكم الانتخابات، ومنها «الانتخاب حيثما أمكن، والتوافق حيثما تعذر»، لا يمكن أن تكون وسيلة للتعبير عن وجوده، وحماية حقوقه، والتأثير في القرار الوطني، أو المشاركة في صنع مستقبله.

أنا اللاجئ الذي يُطلب منه اليوم أن يهتم بانتخابات أعلم أنني خارج حساباتها وحساباتكم. ولو كنت داخلها فعلاً، فإنه سيكون من حقي أن أعرف: من يمثلني؟ ومن يختار ممثلي؟ وكيف اختيروا؟ وهل لهم صلاحيات؟ وهل سيكون صوت اللاجئ في دمشق وبيروت وعمان والقاهرة وإسطنبول وغيرها مساوياً لصوت الفلسطيني في الداخل؟ وهل إرادة اللاجئين هي التي تصنع ممثليهم، أم أن قواعد اللعبة ذاتها ستختار عناوينهم عبر التوافق والكوتا والتعيين؟

إن الانتخابات بالنسبة إلى اللاجئ ليست مجرد صندوق اقتراع، ولا «عرساً ديمقراطياً» يشوبه كثير من النفاق؛ إنها شراكة، وإرادة شعبية، ووجود سياسي للشتات في النظام السياسي الفلسطيني.

ولذلك أخشى أن تتحول انتخاباتكم من وسيلة لاستعادة وحدة الشعب الفلسطيني إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بصورة أبشع. وأخشى أن يتحول المجلس الوطني من بيت جامع لكل الفلسطينيين إلى مؤسسة يغلب عليها منطق الحصص والكوتات على منطق التمثيل الحقيقي.

وأخشى كذلك أن يكون حق العودة خارج جدول الأعمال، لأن المخيم يريد انتخابات تعيد حق العودة إلى قلب المشروع الوطني.

أخشى أن يكون لي مقعد وألا يكون لي صوت.

أخشى أن أمثل وأُحرم من أن أشارك في أي قرار.

وأنا اللاجئ الذي نسيه العالم واقتات الكثيرون على معاناته وجراحاته وتهجيره، لا أريد انتخابات تمنح شرعية جديدة للواقع القائم وإنما أريد انتخابات يمنحها الشعب الفلسطيني كله في الوطن والشتات شرعيتها.

ولذلك إذا كان المطلوب مني أن أؤمن بالمؤسسات الوطنية، فأعيدوا إليها معناها الوطني الجامع.

صوتي ليس منحة، وحقي ليس حصة، وفلسطين ليست جغرافيا تختصر في حدود القادرين على الوصول إلى صناديق الاقتراع.

لذلك أنا اللاجئ الفلسطيني ابن المخيم وفي الشتات أقول: الانتخابات لا تعنيني

وهذا ليس تخلياً عن فلسطين ولا عزوفاً عن المشروع الوطني، ولا رفضاً للديمقراطية، بل هو صرخة لاجئ يريد أن تعنيه الانتخابات كما تعنيه فلسطين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى