
١ –
حين رأيتُها أول مرة ..
ظننتُ أني دخلتُ إعلانًا عن دواءٍ مهدّئ ،
أو مشهداً محذوفاً من فلمٍ فلسفيٍّ رديء .
سألتُ بائعَ الجرائد :
” هل مرّت الحربُ من هنا ؟
أم أن هذا الجمالَ مجرّدُ خدعةٍ بصريّة ؟ ”
ضحك ..
و أعطاني صحيفةً قديمةً
و إبرةً صغيرةً ،
قال إنها تناسب حالتي أكثر من الحب .
ثم أشار إلى مقهى مهجور
و قال :
” في الداخل تركها رجلٌ مثلك
على الطاولة ،
و غاب في نشرة جوّيّة عن الخريف . ”
دخلتُ ..
وجدتُ فنجاناً ما زال دافئاً ،
و قصيدة بلا توقيع تقول :
” أنا جميلةٌ بما يكفي
لأُربك شارعاً كاملاً ،
لكنني لا أُجيد البقاء . ”
جلستُ هناك ساعاتٍ طويلة ..
أتفقّد وجهي في مرآة الملعقة ،
و أسأل النادل عن آخر من جلس هنا .
قال :
” كان يتكلّم كأن قلبه يحمل قنبلة
و يضحك .. يضحكُ
كأن العالم لا يستحقّها . ”
فتركت له ورقةً و قلماً ،
و كتبتُ :
” لم أكن عاشقاً ،
كنتُ فقط بحاجةٍ
لمن يقول لي :
مكانك ليس هنا . ”
٢ –
في المرة الثانية التي رأيتها ،
كنتُ أحمل كيساً من الخبز
و نشرةً جويةً تتنبأ بموجة باردة في القلب .
سألتُها دون أن أتكلم :
” هل أنتِ حقيقية ،
أم أنني اخترعتك كي أبرر
فشلي في نسيان امرأةٍ قبلَك ؟ ”
فابتسمت كما تبتسمُ فتاةٌ
تعرف جيداً
أنها السبب في انقراض الشعراء .
ثم مرّت بي كأنني شرفةٌ بلا مقعد ..
و تركتني أتفحص ظلّي
لأتأكد إن كنت ما زلتُ هناك .
٣ –
في اليوم الثالث ،
لم أرها ..
لكنني اشتريتُ قميصاً جديداً ،
و جلستُ في المقهى نفسه
كمن يرتّب نفسه للصدفة .
أخذتُ أدوّن أسماء المارّة
في دفتر صغير
و أتخيل كيف سيكتب كلٌّ منهم
عن امرأةٍ لم يرها ،
لكنها كانت سبباً في استيقاظه .
النادلُ بات يعرفني ..
يسكب القهوة على مهل ،
ثم يقول :
” حين تبدأ بتأليف الوجوه ،
اعرف أنك دخلتَ مرحلة الشفاء ..
أو الجنون . ”
ضحكتُ و قلت :
” و ماذا لو كان الجنونُ هو شكلُ الشفاء
الذي تأخّر عن موعده ؟ ”
٤ –
في اليوم الرابع
أعادني الطريق إليها ،
لكنها لم تكن هناك ..
فقط إعلانٌ جديد
عن عرضٍ على الأحذية الشتوية ،
و ظلالُ نساءٍ
يشبهنها في الخطوة
لا في الغياب .
جلستُ على المقعد المقابل
ونظرتُ إلى انعكاسي في زجاج المحل ..
فبدوتُ كمن عاد من الحرب
دون جثته ،
يحمل شهادة وفاته
و يطلب تخفيضاً على النسيان .
جاء طفلٌ صغير و سألني :
” هل تنتظر أحداً ؟ ”
قلت :
” أنتظر ألّا أنتظر . ”
ثم أعطيته دفتري ..
و قلت له :
” ارسم امرأةً ،
لكن إياك أن تُكمل وجهها . ”
٥ –
في اليوم الخامس
لم أذهب إلى المقهى ،
و لا إلى الشارع ،
و لا حتى إلى الحلم .
جلستُ قبالة المرآة ..
أقلب دفاتري كمن يفتّش
في بقايا المعركة عن سببٍ نبيل للهزيمة .
سألتُ نفسي بصدقٍ فجائيّ :
لماذا كتبْتُ كلّ هذا
عن امرأةٍ
لم تلتفت نحوي و لو مرّة ؟
فهمتُ فجأة ..
أنني لم أحبّها كما ظننت ،
بل أحببتُ نفسي
و هي تتهجّى حضورها ..
كأنها تقرأُ الحياةَ
لأول مرة .
٦ –
في اليوم السادس
استيقظتُ على صوتٍ يشبهني .
لم يكن داخلي ..
و لا خلف الباب ،
كان كأنني أُسْمِعُ نفسي
من مكانٍ آخر
لم أعشه بعد .
فتحتُ دفتري ،
فوجدتُ رسماً لطفلٍ بلا ملامح
و امرأةٍ نصفُ وجهها ظلّ ،
والنصف الآخر ..
كان يشبه أمّي
حين كانت تبكي بصمت
في الغرفة المجاورة .
شيءٌ ما لم يكن في مكانه ..
الفنجان الذي نسيتُه أمس
كان مكسوراً ،
و القميصُ الجديد
بات يحملُ رائحةً أعرفها
من حلمٍ قديمٍ لم يخزني أبداً بصباح .
خرجتُ إلى الشارع
فلم أجد المقهى ،
و لا محلَّ الأحذية ،
و لا حتى ظلي .
بدت المدينةُ
كأن أحداً أزاحها قليلاً إلى اليسار
و ترك كل شيء في مكانه .
عند زاوية الحلم ..
صادفتُ رجلاً يحملُ دفتري القديم ،
سألته بدهشةٍ شاسعة :
” من أين لك هذا ؟ ”
قال لي دون أن يرفع رأسه :
” أنا أنت ،
لكنني كتبتُ النهايةَ يوماً أبكر
فانقذفتُ خارج القصّة . ”
ثم سلّمني الورقةَ الأخيرة
و كانت بيضاء ..
إلا من جملةٍ واحدة
بخطٍّ لا أعرفه :
” حين تكتبُ امرأةً لا تراك ،
كن حذراً ..
قد تكون هي من كتبتك أوّلاً ” .