رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : المساحات المجهولة

” كان لدي الانطباع بالاصالة ورعشة الوجود عند الاتصال بالانسان الأمي، رعاة جبال الكاربات في رومانيا، أحدثوا فيّ إنطباعاً أكبر بكثير من الاساتذة الألمان الماكرين ومن المثقفين الباريسيين المراوغين”.
هذا ما يقوله المفكر والروائي الروماني الفرنسي اللغة إميل سيوران،
الذي لو سألته ماذا تفعل من الصباح حتى المساء؟
سيقول لك:
“أروض نفسي”.
ماذا يمكن أن يتعلم سيوران من الرعاة؟ أجزم أنه تعلم الوضوح والنبالة واللغة الطبيعية الأولى التي لم تلوث، يقول الرعاة أفضل من المراوغة والمشاكسة ومن لا يعرف حياة الرعاة لا يعرف المعنى الاعمق لكلام سيوران.
عرف في حياته كما يقول الكثير من الأدباء ــــــــــــــــ المراوغين والمشاكسين ــــــــ لكن النبلاء يضيعون في الضجة والازدحام، لماذا البلادة تنتشر أكثر من الحكمة؟
البعض يصيبه الواقع بالدوار، لكن سيوران يصيبه الواقع بالربو ــ يختنق من الواقع، نحن نخاف ونتألم من الخيبة،
هو تشعره الخيبة بالإحساس بما هو حقيقي وتكسر سياق الرتابة. كيف تعرف جمال الأشياء خارج أضدادها؟
على الانسان في مرحلة من حياته أن يغير إسمه ويلجأ الى مكان مجهول لا يعرف فيه أحداً في حياة رضية، حياة منهك ـــ يقول.
الصقر في مرحلة من حياته يكسر منقاره بحجرة ويجدده وينتف ريشه القديم ويولد من رحمه ثانية. كيف يفكر الصقر الجديد وهل غير ذاكرته؟
كم نحن بحاجة لولادة ثانية وعاشرة وكسر مناقيرنا الصدئة الداخلية.
الحياة ألغاز وخاصة قاع الانسان . أنت في كل يوم، يقول سيوران، تكتشف شيئاً جديداً في نفسك ثم يأتي أحمق لكي يقول لك:
” أعرفك جيداً أكثر مما تعرف نفسك”.
كل اختزال للانسان هو نفي واقصاء وحذف وسطحية. هناك مساحات مجهولة خاصة بالانسان لا يعرفها حتى من عاش معه سنوات. كيف تحكم عليه أنت من الخارج؟
أسوأ ما يحدث في العلاقات الانسانية أن تعثر على نموذج من عالمك القديم ونسختك المنقرضة يذكرك في كل فرصة بما كنت وكيف حدث هذا أو ذلك في تشابك ظروف وتفاصيل معقدة ومركبة كما لو أنك ملف في أرشيف أو حاسوب وأنت من حقك النسيان ومن حقك البدء من جديد ومن حقك التغيير.
هناك من يحدثك كيف تعيش وهو لا يعرف من أنت وكيف تشعر وانت نفسك لا تعرف ماذا تشعر أحياناً وكيف تتعامل مع المحيطين بك وهو لا يعرفهم والخ.
لكنك تكتشف ان هذه الخفة العقلية في هذا الكائن انه يتحدث مع نفسه في المرآة وهو حطام بشري لا يعرف من هو، وهو واثق ومبتهج وهو بلا هوية ذاتية بل مجموعة هويات متناقضة وتجمع شخصيات وتصنيف معياري جاهز ونمطي لا يستند على عقل ولا منطق ولا تجربة ولا تفكير حقيقي بل كائن مسطح بلا عمق لكنه متغطرس.
عشنا مع شعوب لا تؤرشف للاخر ولا تسجنه في اطار وتمنحه الحق في التغيير والنسيان والنمو وليست صورة محنطة بل عبارة عن تبار متدفق. هذه طبيعة الشعوب الحية الراكضة نحن المستقبل. كل اختزال وتصنيف هو سيطرة.
اطلاق الأحكام هروب وعجز عن التفكير كما يقول عالم النفس كارل يونغ. التفكير يحتاج مشقة وبحث وتفكيك الحدث والظروف في حين الحكم وصفة جاهزة ومستعارة غالباً من الاخرين وهي صفة المجتمع المغلق الدائر حول نفسه كثيران النواعير.
البعض يصيبه الواقع بالدوار، لكن سيوران يصيبه الواقع بالغضب.
نحن نخاف ونتألم من الخيبة، هو تشعره الخيبة بالإحساس بما هو حقيقي،
كيف تعرف جمال الأشياء خارج أضدادها؟
لقد رأى متسولين أفضل من رهبان، يقول، اخترق الشكل الخارجي ونفذ الى الأعماق داخل الاسمال.
الحياة ألغاز وأكثرها هو الانسان وهناك مساحات رمادية فينا لا نعرفها نحن إلا بعد تجربة أو حادث أو مصادفة .
الانسان قاع عميق وطبقات وليس سطحاً ومع مئة مليار خلية في الدماغ ومليارات في أمكنة الجسد الأخرى، فأنت كون هائل متنقل وفرقة موسيقية تعزف وفي كل لحظة تسمع ـــــــــــــ اذا كنت تصغي ـــــــــــ لحناً ولو في قلب الخراب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى