
المنفى
المنفى ليسَ بلاداً بعيدة.
المنفى هو حينَ تفتحُ البابَ في الصباح
و تجدُ أنَّ الشارعَ نسيَ اسمك.
أنَّ الدكّانَ صارَ يبيعُ لغيرك.
أنَّ القططَ تعبرُ و لا تلتفت.
حملتُ بيتي في حقيبة.
حقيبةٌ صغيرة
فيها صورةُ أمي و أبي ،
مفتاحٌ صدئً و ترابٌ من عتبةِ الدار.
كلّما فتحتُها في المطار
سألوني : “ما هذا؟”
أقولُ: “وطني”.
فيضحكون
و الوطنُ يخجلُ ،
يتكوّمُ على نفسِه
و يسكت.
الغربةُ ليستْ أن تكونَ بعيداً ،
فالغربةُ أن تصيرَ ضيفاً في ذاكرتِك،
أن تمرَّ على بيتِك القديم في الحلم
و تطرقَ الباب فيفتحُ لكَ رجلٌ غريب
و يقولُ: “آسف، العنوان خطأ”.
أنا أتكلمُ لغتهم ،
أشتري و أبيعُ بها
حتى أحلمُ بها أحياناً.
لكنّي حينَ أتوجّع، أتوجّعُ بالكوردية.
الوجعُ لا يتعلّمُ لغاتٍ جديدة
الوجعُ وفيٌّ للأمّ.
قالوا لي: “اندمج”
فصرتُ أذوبُ كلَّ يومٍ قليلاً
صرتُ ماءً في كأسِ أحدٍ آخر.
لكنّي في الليل، أرجعُ حجراً.
حجراً من جبالِ عفرين ،
يتدحرجُ في صدرِ رجلٍ نائم
و يوقظُه.
المنفى هو أن تعرفَ الطريقَ كلّه
و لا يكونَ لكَ بيتٌ في آخره.
أن تعدَّ المحطات و أنتَ تعرفُ
أنَّ القطارَ لا يتوقّفُ عندَ اسمك.
زكريا شيخ أحمد