
كتب:هاني الكنيسي
موجة غضب ملحوظة في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية بسبب فوز الجراح الأمريكي – المصري الأصل- الدكتور آدم حماوي (56 عاماً) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن الدائرة الثانية عشرة بولاية نيوجيرسي، على حساب منافسه اليهودي ‘براد كوهين’ رئيس بلدية ‘إيست برونزويك’ المعروف بولائه الصريح لإسرائيل.
وبخلاف انزعاج “اللوبي” من فشل الدعم المالي والإعلامي السخي لمنظمة ‘أيباك’ (الصهيونية) أمام منظمة “American Priorities” المؤيدة للحقوق الفلسطينية (والتي أسهمت بحوالي 1.5 مليون دولار لدعم حملة حماوي)، ومن حصوله على تأييد شخصيات سياسية بارزة من الجناح التقدمي مثل السناتور (اليهودي) ‘بيرني ساندرز’ ونائبة الكونغرس الديمقراطية ‘ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز’، إضافة إلى منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام” Jewish Voice for Peace، فإن فوز د. حماوي – المسلم المولود في مصر والذي هاجر مع والديه إلى الولايات المتحدة وهو رضيع لا يتجاوز عمره 7 أشهر- أثار قلق تل أبيب وجماعات النفوذ المؤيدة لها في الولايات المتحدة، لسببين رئيسييْن:
أولهما أن الطبيب الناجح لم يكتف برفع شعارات مؤيدة للفلسطينيين خلال حملته الانتخابية، بل دعا صراحة إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، بما في ذلك تمويل منظومة “القبة الحديدية”، كما طالب بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ودافع عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ووصف الحرب في غزة بأنها “إبادة جماعية”.
وثانيًا، وربما الأهم، أن الدائرة الانتخابية التي فاز بها في نيوجيرسي تُصنف كواحدة من أكثر الدوائر أماناً للديمقراطيين، ما يجعل فوز حماوي في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل احتمالاً كبيراً. وإذا تحقق ذلك، فسيصبح عضواً جديداً في الكونغرس قريباً من الجناح المزعج الذي يضم شخصيات مثل إلهان عمر ورشيدة طليب، اللتين تعرضتا -وما زالتا تتعرضان- لحملات سياسية وإعلامية بسبب مواقفهما المؤيدة للفلسطينيينبشكل خاص، والمناهضة للتيار الصهيوني ولليمين المعادي للمهاجرين (غير البيض) بشكل عام.
ولذلك، لم يكن مفاجئاً أن تتجاوز ردود فعل “أولاد العم ومن والاهم” حدود متابعة سباق انتخابي محلي إلى ما يشبه إطلاق أبواق النفير تحذيرًا من “تحول مريب” في المشهد السياسي الأمريكي ومن تزايد الأصوات الديمقراطية “المعادية” لإسرائيل وانتقالها من الهامش إلى مراكز الحزب الانتخابية المضمونة.
ولعل ذلك ما يفسّر “جزئيا” الهجوم الخبيث الذي شنته كبرى الصحف العبرية، عبر تداول تقارير متزامنة في ‘معاريف’ و’تايمز أوف إسرائيل’ و’هآرتس’، تعيد فتح ملف يعود إلى عام 1995 يتعلق بشهادة الدكتور حماوي وترجمته لبيان يخص القيادي في الجماعة الإسلامية عمر عبد الرحمن، المعروف إعلامياً بـ”الشيخ الضرير”، والذي أدين لاحقاً في قضايا مرتبطة بتفجيرات نيويورك. وكان واضحًا في تغطيات الإعلام الإسرائيلي للخبر، تسليط الضوء على هذا الملف باعتباره دليلاً على تعاطف الطبيب المصري الأمريكي مع شخصيات متطرفة، وذلك رغم أن الرجل نفى تلك الاتهامات مراراً، معتبراً أنها تندرج ضمن محاولات التشهير السياسي وتنطلق من عقدة “الإسلاموفوبيا”.
لكن الحقيقة أن خلف هذا الهجوم “الشخصي”، ربما تكمن مخاوف إسرائيلية أعمق.
فحماوي خريج كلية طب نيوجيرسي الذي نال زمالة جراحة التجميل والترميم من جامعة تكساس UT Southwestern (إحدى أبرز المؤسسات الطبية المتخصصة في هذا المجال)، ليس ناشطاً سياسياً تقليدياً أو مجرد اسم لامع في مجتمعه المحلي. إذ انضم إلى الحرس الوطني لولاية نيوجيرسي، وخدم كطبيب عسكري في الجيش الأمريكي لمدة 8 سنوات حتى وصل لرتبة مقدم (Lt. Colonel)، وذاع صيته عندما أنقذ حياة الضابطة الأمريكية ‘تامي داكورث’ Duckworth، بعد أن أُسقطت مروحيتها من طراز بلاك هوك عام 2004 في العراق وفقدت ساقيها؛ وهي اليوم سيناتور بارزة عن ولاية إلينوي ودعمت ترشحه رسمياً. ومنذ تركه الخدمة العسكرية، وتحوّله إلى جراح تجميل ناجح في برينستون، كان له نشاط خيري معروف مع منظمات إغاثية دولية (مثل LEAP Global Missions)، حيث قاد بعثات طبية تطوعية لعلاج الأطفال والنازحين في دول عدة مثل بليز (2008) واللاجئين الفلسطينيين واللبنانيين في مستشفى الهمشري بصيدا في لبنان (2016). إلى أن علق لمدة ثلاثة أسابيع داخل قطاع غزة خلال بعثة طبية تطوعية في مايو 2024، وعاد منها ليقول في وسائل الإعلام الأمريكية: “رأيت بعيني كيف حولت إسرائيل غزة إلى مكان أسوأ من الجحيم”، وطالب علنًا بضرورة “التغيير من داخل النظام السياسي الأمريكي”، وهي الدعوة التي حظيت بتفاعل كبير في السوشيال ميديا وفي دوائر المجتمع المدني.
هذه الخلفية تحديداً هي أكثر ما يقلق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ومن خلفه إسرائيل. إذ يمتلك الدكتور حماوي ما وصفته بعض التقارير بـ”السلطة الأخلاقية والمهنية” للحديث عن الأوضاع الإنسانية في غزة من موقع شاهد عيان وطبيب ميداني، وليس من موقع ناشط سياسي أو أيديولوجي. ولذلك ترى دوائر إسرائيلية أن اتهاماته المتعلقة بارتكاب “إبادة جماعية” قد تجد صدى أكبر داخل الكونغرس والرأي العام الأمريكي، مقارنة بخطاب سياسيين آخرين يمكن الطعن في دوافعهم الحزبية أو الأيديولوجية.
ومن هنا يمكن فهم التعليقات الإسرائيلية على منصة X، حيث وُصف حماوي بأنه “راديكالي” و”ماركسي” وصاحب ميول “جهادية”، بينما ذهب بعض المعلقين إلى مهاجمة ناخبي الدائرة الديمقراطية في نيوجيرسي أنفسهم، معتبرين أنهم اختاروا مرشحاً يريد وقف دعم “حليف استراتيجي” للولايات المتحدة.
وإلى جانب نبرة الهجوم الحادة والتشهيرية، فقد لفت انتباهي -شخصيًا- في تغطية الإعلام الإسرائيلي “التقليدي” لخبر فوز د. آدم حماوي، الاعتراف الضمني بتغير المزاج السياسي الأمريكي. إذ اتفقت التعليقات والتحليلات على أن إسرائيل لم تعد تتمتع بالإجماع الشعبي التقليدي داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وأن حرب الإبادة على غزة كان لها دور أساسي في تنامي تيار “معادٍ” خصوصا في أوساط الديمقراطيين قد يكون له تأثير -على المدى الأبعد- في تقليص الدعم الأمريكي لدولة الاحتلال. عرض أقل