
ارتمى بكلِّ كِيانِه في جوفِ الغرفةِ المعتمة . كانت أصابعه تبحثُ جاهدة ً في الظلمة عن قفل التيار الكهربائي ، و قد تذكّر أنه أسدل ستائر النافذة قبل مغادرته صباحاً إلى مقر البلدية.
و عندما أضاءت الحجرة ، كان كل شيء على حاله ، و ( درا ) السرير غير المرتب يوحي بأن شخصاً غادره لتوه . كانت النافذة أيضاً مغلقة ، و رائحة السجائر المتبقية منذ سهرة الليلة الفائتة تكتم على نفس الغرفة و هواءها ، و أي محاولة لتهويتها ، وهي المطلة على الشارع العام ، هي محاولة بائسة ، لن تزيد الطّين إلا بلُة. و هكذا لم يكن أمامه سوى الرضوخ مع إطلاق القليل من شتائم المساء اللاهبة .
كان في هذه الأثناء قد غسل يديه و رجليه و بلّل الجزء الخلفي من رأسه حتى أعلى الرقبة بالماء ، و بعدذلك أحضر من المطبخ صحناً من المكسّرات ، و جلس يمضّغ حبّاته وعيناه معلقتان في صفحات رواية اشتراها الأسبوع المنصرم، وكان لا يزال في بدايتها ، لإنشغاله بحفلة أقامتها البلدية إبان الزيارة التاريخية , التي قام بها وزير (……) للبلدية في مطلع الأسبوع الحالي ، لم يكن ليصدق نفسه هو رئيس البلدية، ما إن تقاطرَ المديحُ من فمِه، حتى سالَ لزجاً على لسانِ الأخير ، ليتركَ في أذنِه صدىً ملوثاً. لقد أطلع سيادته على كافة الأنشطة والمشاريع و الفعاليات المناسباتية التي تُشرف عليها و كان الوزير يهزّ السجلات جيداً ، حتى أنه لم يتوان عن استعارة نظارّة أحد الموظفين المحاذين له ، بغية قراءة الأرقام بدقة متناهية ، ثم ابتسم منشرحاً وقال كمن انتهى من عمل عظيم : أي رقم زائد هنا .. يعني مال زائد سلب من حقوق المواطنين . لن تُصدّق هول الصوت حين تدفقّت مئات الأكفّ بالتصفيق في لحظة واحدة ، حتى ليخال لك أن الحيطان نما لها أذرع طويلة تخبط كلها في دقائق من الإنتماء و العناق . عاد يشعر بقماش (درا) السرير القابع تحته ، فأدرك أن الحفلة قد انتهت و هو الآن في الغرفة ، و بدأ يشعر بملوحة الفستق في حلقه .ألقى بالكتاب قربه ، و لما عاد و كأس الماء بيده ، تفطّن أنه لم يثني طرف الصفحة التي وصل إليها . لكن ذلك لم يكن ليؤرق باله ، فجلس يُجهز على بقية ما في الصحن من حبّات ، و كي يضيف نوعاً من النشوة و المرح إلى كآبة الحجرة ، خطر له إهداء كل حبّة إلى أناس من هذا العالم ، فمثلاً يقول هذه الحبّة المعشوشبة بالخضار .. أهديها إلى أغنياء هذا العالم و أثريائه بالاقتراض ، أما هذه فأهديها إلى كل الرجال النافذين المتسلقين بالوساطة . كان كلما يقضم حبُة ، يغمضَ عينيه بعنف مستشعراً لذتها في فمه ، و كان أحياناً يطيل مضغ بعضها أكثر من الآخر ، فالحبّة الخضراء كالسهل الممتد ، التي أهداها إلى نفسه ، أخذ يمضغها بنهم و هو واقف على قدميه يجوبُ الغرفةَ ذهاباً وإياباً في صمتٍ قلق. ، و هي لا تزال تذوب ببطء ونشوة . و قد قال أيضاً عندما ألقى بنفسه مجدداً فوق السرير ، أما هذه فأهديها إلى نساء البلدة الجميلات و خاصة السمراوات منهن , و هذه (ساخراً) إلى مَن انطفأَ في عيونهم بريقُ الرجاء، وضاقت بهم الأرضُ بما رَحُبت ، و كان لهذا الاهداء ابتسامة فخر بلهاء لمعت على شفتيه الكبيرتين المنفرجتين عن خليط الفستق المطحون و الممتزج باللعاب ، و ريثما استعاد صورة عامل النظافة و هو ممسكاً بأذنيه إلى أقصى حد يكادُ ينتزعهما من مكانيهما ، سقط نظره على حبّة الفستق الأخيرة . حدّق فيها كثيراً في قاع الصحن ، لقد كانت نحيلة بائسة تملؤها التجاعيد و الرضوض منكمشة ً على نفسها ، تثيرُ الشفقة ، و يرثى لها الحال ، حتى لَباتت النفسُ تزهدُ في كلِّ رغبةٍ ، وتأبى إلا أن تخليَ سبيلَها . لكنه أمسك بها رافعاً ، إياها على مستوى بصره ، و في حركة سريعة من يده ، قذف بها السقف و فمه مفتوح على نصفه . كان ارتدادها سريعاً و فور استقرارها فكه السفلي ، تزحلقت بمرونة و علقت في منتصف الطريق إلى معدته . كانت قاسية ، لاذعة المذاق ، صلبة كصخرة لا تتزحزح . حاول أن يتقيأ ، فأدخل أصبعيه ( السبابة و الوسطى ) في فمه ، أقصى ما يستطيع ، لكن دون جدوى . كانت لا تزال كعجوزٍ شمطاء تمنعُه من التفكيرِ في البداياتِ الجديدةِ عند نهايةِ الطريق ، فتوصِمُه بالبائسِ الذميم . ضغط بكلتا راحتيه المقبوضتين على حنجرته ، و لا الماء جاء بنتيجة . و عندما سقط على الأرض أخيراً ، و هو يتلوّى و يرتعش ، كانت حافة السرير ترتفع شيئاً فشيئاً كأنها قمة جبل ، أما الحبُحة فارتمتْ مبللة طريحة الأرض ، و لم يبدو عليها الإستسلام رغم محاولاته الحثيثة في ابتلاعها من الوجود . لقد ظلّت صامدة إلى النهاية .. كأنما تقول له ..
” تتبّع أثرَ الغائبين.. ابحث عن الأرواحِ التي تفوقُ الكلماتِ حَجماً.. ابحث عمن تفيضُ قصصُهم عن حدودِ الصفحات! “