
( ذات وقفة )
(1)
كنت الفتى الوليد لمنطقة سكنت سفوح الجبال وتشبعت بالحكايات كما أيامها المتشابه في الرتابة تلك التي لا يكسرها سوى هذه الاحتفائيه القصيرة حين قدوم الأغراب ..و تلك الاحتفائيه لم تكن خالية من دهشة نخبرها جيدً مجللة بإعجاب دون ضرورة لمعرفة تفاصيل القادم التي لا تهمنا في الواقع .
(2)
ذات يوم وكنت فيه أمارس هواية الركود كحال من جاورني كنت اركن إلى أعتاب الدكان الوحيد حينما رأيت السيارة القادمة إلى ساحة ” الفولاتجو ” التي تتوسطه دائرة حوض نافورة ايطالية قديمة جف منبعها منذ زمن طويل
(3)
توقف القادمون وترجلّ منها رجل مهيب الطلعة وامرأة أربعينية فائقة الأناقة و فتاة في جمال لم أعتاده على مقياس ما أعرفه من جمال في مستوى قريتنا على الاقل لكوني لا اتجول ابعد من شاطىء البحر وقمم الجبال المحيطة
(4)
أسرعت للمهيب سألني بعد التحية عن مكان أعرفه وكان في رغبة منه لزيارته وهو عبارة عن الوادي المحيط بالقرية من جهة الجنوب فى اتجاه الشمال
(5)
كان الطريق المؤدي إلى الوادي المنشود يقع ما بين منزلنا القديم المطل على الهضبة والجامع العتيق مروراً بسانية ” سي أجويدة ” نزولاً إلى باطنه حيث ” عين ماء ” بالبو ” و نباتات الدفلة المحيطة به مروراً ” بالكفّان المزيّن ” : بعريشة عنب ” وشجر البطوم الذي ظهرت جذوره من خلال منحنيات الوادي بفعل نحت المياه لجنابات الوادي إثناء جريانها في مواسم الأمطار, وصولاً إلى ” وادي الميه ” الذي ينتهي للبحر الواسع جهة الشمال .
( 6)
كانت أبنتهم الصبية متناسقة القوام بشعر فاحم أسترسل على كتفيها وملامح مرسوم بحمرة شفق موسوم بغروب مذهّب في يوم صيفي , وازدادت جمالا بأنف مستدق رسم بمهارة وعينين بزرقة بحر نألفه حبن يكون ودودا
(7)
إثناء سيري وقافلتي الصغيرة كنت أسترق النظر إليها كلص محترف , وكانت هي قد أدركت معنى تلك النظرات ، وشعرت للوهلة الأولى بسرورها من ذلك , وحين انشغال والديها بالحديث , كنت اهمس لها بكلمات إعجاب بجمالها وروعة حضورها ولم تمانع أن تستمع اليّ بصمت شابه ابتسامة هادئة بعذوبة
(8)
في استراحة قصيرة .. فضلّت الفتاة أن تجلس إلى جواري بينما كان والديها مستغرقان بمداعبة مياه مجرى المياه بأقدامهما في شيء من المرح
(9)
التفت إلىّ .. وصفت سرورها بجمال المكان وراحة نفسها لحديثي وتمنيها العميق بالعودة الى المكان لأجله ولأجلي
(10)
تلك الحظات استشعرت هدوء روحها وصدق امانيها وانتابني دفق عذب من الحبور الذي لم اعتاده من قبل
(11)
عند الغروب انتهت الجولة بتجدد وعد منها .. واستقلت سيارتها .. وكان وداعها بنظرات لا أنساها وابتسامة بعثت الكثير في روح قروي اعتاد الإيقاع الممل الواحد ..
لكنني وفي ذات الوقفة شعرت برعشة غامضة سرت في اوصالي.. ربما كانت علامة لوجل من قادم او لحب او تعلق او حلم ناقص لفتاة مرت من هناك ذات يوم من سنوات ماضية ولم تعد أبداً