
كان الإنسان يظنّ، منذ أن رفع رأسه نحو السماء لأول مرة، أنّ اتساع الكون هو أكثر الأشياء رعبًا. لكنّه لم يكن يدرك أن الهوّة الحقيقية لا توجد فوقه، بل داخله. فالنجوم، مهما ابتعدت، تبقى أجسامًا معلّقة في الفراغ، أمّا الإنسان فهو فراغٌ يسأل نفسه باستمرار: من أنا؟ ولماذا أشعر أنني غريب حتى داخل روحي؟
إنّ هشاشة الإنسان لا تكمن في ضعفه الجسدي، ولا في موته المحتوم، بل في وعيه. ذلك الوعي الذي جعله الكائن الوحيد القادر على أن ينظر إلى المرآة فلا يرى وجهه فقط، بل يرى خوفه، ونفاقه، ووحدته، وأحلامه المهزومة، والأصوات التي أخفاها طويلًا خلف ضجيج الحياة. الإنسان ليس كائنًا يعيش فقط، بل كائن يعرف أنه يعيش، وهذه المعرفة كانت أعظم نعمة وأقسى لعنة في الوقت نفسه.
في كل مرة يهرب الإنسان نحو المدن، نحو الحب، نحو السلطة، نحو الدين أحيانًا، أو نحو التكنولوجيا، كان في الحقيقة يهرب من مواجهة نفسه. لأن النفس حين تصمت الدنيا حولها، تبدأ بالكلام. وحين تتكلم النفس، تظهر الحقيقة عارية بلا أقنعة. هناك، داخل تلك العتمة الداخلية، يكتشف الإنسان أنّه ليس صلبًا كما ادّعى، بل هشّ كزجاجٍ يرتجف أمام سؤال واحد: ماذا لو كنتُ مجرد عابر مجهول في هذا الكون؟
لقد بنى الإنسان الحضارات كي لا يسمع صوت خوفه. اخترع الحروب كي يشعر بالقوة. وكتب الشعر لأنه عاجز عن تفسير الألم بلغة مباشرة. وحتى الحب، ذلك الشعور الذي يظنه خلاصًا، لم يكن أحيانًا سوى محاولة يائسة ليجد شخصًا يشهد على وجوده قبل أن يختفي. فالإنسان لا يخاف الموت بقدر ما يخاف أن يمرّ دون أثر، دون معنى، دون أن يفهم نفسه ولو مرة واحدة.
والمأساة الأعظم أنّ الإنسان كلما اقترب من الحقيقة، اكتشف هشاشته أكثر. فهو لا يعرف لماذا يشعر بالحزن دون سبب، ولا لماذا يشتاق لأشياء لم يعشها أصلًا، ولا لماذا يشعر أحيانًا أن داخله أقدم من عمره بكثير. كأن الروح تحمل ذاكرة لا تخصّ هذا العالم وحده. ولهذا يبقى الإنسان معلقًا بين الأرض والسماء؛ جسده من تراب، لكن قلقه من شيء أبعد من التراب.
غير أنّ الجمال الخفي في الإنسان يكمن هنا تحديدًا: في هشاشته نفسها. فالمرآة لا تعكس النور إلا لأنها قابلة للكسر. والروح لا تبحث عن المعنى إلا لأنها تشعر بالنقص. الإنسان ليس عظيمًا لأنه كامل، بل لأنه، رغم تصدعه الداخلي، يواصل السير. ينهض كل يوم وهو يعلم أن الأسئلة أكبر من الإجابات، وأن العالم لا يمنحه يقينًا حقيقيًا، ومع ذلك يستمر.
ربما لم يُخلق الإنسان ليصل إلى الحقيقة كاملة، بل ليظلّ في رحلة البحث عنها. وربما كانت الحكمة الحقيقية ليست في أن ينتصر الإنسان على خوفه، بل في أن يتصالح معه. أن ينظر إلى نفسه أخيرًا دون هروب، دون أقنعة، دون ادّعاء. أن يعترف بأنه ضعيف، وحائر، ووحيد أحيانًا… ثم يبتسم رغم ذلك.
لأن الإنسان، في النهاية، ليس الكائن الذي وجد الحقيقة، بل الكائن الذي امتلك الشجاعة كي يواجهها.