كتاب وشعراء

أيُّها أقسى على الشجرة الفأس أم العصا أم اليد…..بقلم حسين الغزي

تقف الشجرة في قلب الحكاية صامتةً، لا تدافع عن نفسها ولا ترفع شكوى إلى السماء. جذورها غارقة في الأرض، وأغصانها ممدودة نحو الضوء، وكأن وجودها كله فعلُ عطاءٍ متواصل. ومع ذلك، يظل السؤال القديم معلقًا بين الحكمة والألم: أيُّها أقسى على الشجرة؛ الفأس أم العصا أم اليد؟
يبدو الجواب للوهلة الأولى سهلًا. الفأس هي التي تشق الجذع وتترك الندبة الأخيرة في الجسد الأخضر. إنها الأداة التي تحمل معنى النهاية، والتي تستطيع في دقائق أن تُسقط ما احتاج إلى عقود كي ينمو. الفأس لا تجادل ولا تتردد، فهي لغة الحسم حين تتحول القوة إلى قرار بالمحو. ومن هذه الزاوية تبدو الأقسى بلا منازع، لأن أثرها واضح، ولأن الموت الذي تخلّفه لا يحتاج إلى تأويل.
لكن التأمل الأعمق يقودنا إلى العصا. فالعصا ليست غريبة عن الشجرة كما يبدو للوهلة الأولى؛ إنها ابنتها التي خرجت من جسدها يومًا، وغصنٌ كان يرقص مع أوراقها تحت الريح، ثم انفصل عنها ليعود أداةً لإيلامها. هنا تتجاوز القسوة معنى الضرب إلى معنى أكثر ظلمة: أن يتحول جزء من الكائن إلى وسيلة ضد الكائن نفسه. فالفأس على الأقل جاءت من خارج عالم الشجرة، أما العصا فقد كانت يومًا امتدادًا لعروقها وروحها. ولهذا يبدو وقعها أشد مرارة؛ لأنها تحمل في كل ضربة ذكرى القرابة المفقودة. إنها ليست مجرد خشبة تهوي على الجذع، بل قطعة من الماضي ترتد على أصلها. وفي الحياة الإنسانية تتجسد هذه الصورة في أقسى أشكال الخذلان؛ حين يأتي الأذى ممن خرجوا من دوائر المودة، أو ممن تشاركوا معنا الجذور ذاتها. فالألم الذي يصنعه الغريب يمكن احتماله، أما الألم الذي يأتي من جزء كان يومًا منا، فيترك جرحًا لا يقف عند حدود الجسد، بل يمتد إلى معنى الانتماء نفسه.
غير أن الفأس والعصا، مهما بلغا من قسوة، تظلان مجرد أدوات. هنا تظهر اليد بوصفها لغز السؤال الحقيقي. فاليد هي التي أمسكت بالفأس، وهي التي رفعت العصا. ومن دونها يبقى الحديد حديدًا والخشب خشبًا. اليد ليست أداة قتل أو إيذاء فحسب، بل هي رمز الإرادة التي قررت أن يتحول شيء من العالم إلى وسيلة أذى. ولهذا فإن مأساة الشجرة قد لا تكمن في النصل الذي مزقها، بل في العقل الذي وجّه النصل نحوها.
والأكثر إيلامًا أن اليد نفسها قد تكون اليد التي غرست الشجرة يومًا، وسقتها، واستظلّت بظلها، وأكلت من ثمرها. عندها لا يعود الأمر اعتداءً من غريب على غريب، بل يتحول إلى خيانة. والخيانة ليست حدثًا ماديًا بقدر ما هي انهيار لمعنى الثقة. فالشجرة تستطيع أن تفهم قسوة العاصفة، لأنها لم تعدها بشيء. لكنها لا تستطيع أن تفهم لماذا يأتي الخراب ممن استفاد من عطائها.
لهذا يصعب الجزم أيُّ الثلاثة أقسى. فالفأس تملك قوة النهاية، والعصا تملك مرارة أن يتحول بعض الجسد على جسده، واليد تملك مسؤولية الاختيار. وربما لا يكمن الألم الأكبر في الجرح نفسه، بل في اكتشاف مصدره. فحين تسقط الشجرة أخيرًا، قد لا يكون آخر ما يؤلمها حدُّ الفأس، ولا وقع العصا، بل تلك الحقيقة الصادمة: أن أكثر ما يخشاه الكائن ليس الأداة التي تؤذيه، بل اليد التي تعرف فضله ثم تؤذيه مع ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى