
نحتاج لاعادة تعريف الكثير من المفاهيم التي تمارس بلا فحص،
ومنها مفاهيم الاغتصاب والشرف الذي أختزل بموضوع الجنس فقط مع أن الاغتصاب السياسي للسلطة والثروة والحرية والعدالة والامن والمستقبل والطمانينة مصدر كل الشرور والمساوئ،
وأخطر بكثير من الاغتصاب الفردي لأنه اغتصاب عام وبيئة خصبة لكل أنواع الجرائم.
لماذا يكون غسل العار في الجنس ولا يغسل العار السياسي والاقتصادي والطائفي والثقافي؟
لماذا لا تعتبر سرقة الثروة والعدالة والقانون والارض والمستقبل والامل ووجود قوات اجنبية ودولة مرتهنة عاراَ يجب أن يُغسل؟
لماذا لا نرى الاغتصاب الا في الجنس فقط؟
غياب الحرية وسرقة الثروة والعدالة هو اغتصاب للمجتمع رجالا ونساءً.
الفاشية والدكتاتورية والعنصرية والطائفية والعرقية المتطرفة هي اغتصاب لأجمل ما في الحياة من جمال ومبادئ وأخلاق وآمال .
الكذب على الناس في قضايا مصيرية هو أسوأ أنواع الاغتصاب للكائن البشري. السطو على المال العام والسطو على العدالة من نهابين سافرين وملثمين يؤدي الى كل أنواع المفاسد الاخلاقية بما في ذلك الاباحية في كل شيء ، في الاعلام والاقتصاد والثقافة وتشوه الانسان وتحوله الى ذليل ومهرج.
لماذا لا نرى الاغتصاب في غياب الأمل وغياب الأفق وغياب الكرامة الانسانية التي وضعها الحكماء فوق الحقيقة؟
سقط رئيس وزراء إسبانيا السابق خوسيه أثنار عام 2004 قبل يوم من الانتخابات بسبب ” كذبة واحدة” عندما إدعى أن تفجيرات محطة قطارات مدريد عام 2004 من تدبير تنظيم القاعدة وفي الحقيقة من تدبير منظمة إيتا الانفصالية وذهب ضحيتها أكثر 1500 بين قتيل وجريح.
لم يغفر له الشعب الاسباني هذه الكذبة لأن الكذب يجمع كل الرذائل من الخيانة الى النفاق من النذالة الى الأقنعة عكس كل الصفات السلبية الأخرى:
قد يسرق شخص لكنه لا يخون وقد يقتل في الدفاع عن النفس لكنه لا يكذب وقد يحقد لكنه لا يغدر ،
أما الكذاب فيمارس كل الرذائل بتلقائية.
الشرف في الصدق والوضوح والرهافة والعلم والمعرفة واللطف والابداع والاختراع وفي مغامرة الحرية وفي المغامرة الفكرية وفي العدالة والقانون والامل والنبل والوعد واحترام المسافات وفي جمال الاعتراف بالخطأ وفي التضحية واخلاق التضامن كما في عالم الحيوانات وفي احترام الذات وتقديس الكرامة التي وضعتها القوانين فوق الحقيقة وفي احتقار الخيانة والكذب والتمتع بأوجاع الناس الابرياء.
كل عاهة أخلاقية ونفسية وجسدية يمكن اصلاحها أو علاجها إلا الكذب لأنه ليس سهواً، ليس اضطراراً، ليس زلة لسان، ليس عن حاجة أو ظرف قاهر، بل الكذب منظومة أخلاقية متكاملة منحطة مكررة لذلك لعنت كل الاديان والاعراف الكذب الذي لا يمكن الغفران او التسامح معه.
عندما لا تجد ربة البيت بيتاً لائقاً، ولا دواءً مناسباً، ولا موقد نار، ولا شارعاً بلا نفايات، أو سلطة بلا أمن ولا أمان، فهذا اغتصاب للشرف بأخطر معانيه.
عندما يمشي شبه المواطن في شوارع غارقة بالنفايات والمفخخات والملصقات الواعدة والزاجرة، والسيارات المضببة النوافذ، فهذا اغتصاب للشرف.
عندما يتواطأ الطب العدلي مع العائلة والمحكمة والعشيرة والشرطة على اعتبار القتيلة منتحرة، فهو عار وجريمة قتل جماعية. تحت ذريعة الانتحار تم قتل الاف النساء في السنوات الاخيرة وبعضهن في مقبرة المنسيات في الجنوب وفي مقبرة المنبوذات في السليمانية مع أطفال رضع تم خنقهم بلا أسماء ــــــــــ كما في روايتنا” ولادة الذئب” بالوثائق من المحاكم وسجلات الشرطة والصحف والمستشفيات ومنظمات حقوق الانسان و تقارير السفارات: في العراق حملة ابادة صامتة للنساء.
عندما يعود شبه المواطن الى المنزل ـ اذا عاد ـ وقد قلص الى أصغر وحدة عضوية في قبو أو سراديب تعذيب
فهذا انتهاك للشرف الفردي وشرف المجتمع لأن الاعتداء على برئ هو اعتداء عام.
من يشرب ويأكل ويتنفس هواءً ملوثاً ويعيش مع برامج ملوثة في السياسة وفي غيرها، هو منتهك الشرف.
من يموت موتا نفسيا أمام محلات الفواكه والاحذية والملابس والصيدليات غير قادر على الشراء في حين تسرق المليارات من أشباح معروفة، هو انسان منتهك الشرف.
من لا يملك داراً، ولا رصيداً للضمان العائلي، هو كائن مغتصب الشرف. من يخاف على اطفاله في الذهاب والاياب من المدرسة، الخائفة من الخروج في المساء للشراء، المذعور من هاتف منتصف الليل، من طرق على الباب في الفجر، من لا يعثر على دواء، من يمشي في شوارع تنفث سموماً قاتلة، من تسقط فوق رأسه أطنان من نفايات الغاز والنفط والتراب الملوث كما في المدن الكبيرة، هؤلاء وغيرهم يتعرضون لهتك الشرف بالمعنى الواسع.
المعارات الجنسية الصبيانية نقلها الثورجية حتى الى المنافي وفي دول مفرطة في الديمقراطية والقانون والحقوق لان التغيير ليس تذكرة سفر وجواز ولجوء سياسي بل عملية شاقة وولادة ذاتية يعجز عنها ببغاوات ملقنة معطوبة هرمة وعندنا ملف كامل موثق عن هذا الجانب الفاسد المنسي لان المنفى يعكس ما في الوطن لكن بوضوح صارخ.
حماية” شرف النساء” ليس في تجريم الاعتداء عليهن فحسب، بل في تجريم العوز والقذارة العامة والرعب اليومي، في اعتبار البيئة السياسية فاسدة وعديمة الشرف وتخلق مناخ الاغتصاب،
في تجريم الفقر والسرقة والتلوث، واعتبار غياب الحريات العامة والفردية جريمة عار يجب ان يُغسل،
وفي الخوف من الغد والظلام والاقدام الثقيلة تحت النوافذ في العتمة،
وفي غياب الارادة والاختيار ومن المجهول الأكثر خطراً لأن التوقع الطويل للخطر أكثر شراً من الخطر نفسه.
كان حكيم صيني يتجول مع طلابه عندما رأى إمرأة تبكي على قبر وسألها من يكون هذا؟ فقالت: زوجي قتله الذئب،
التفت الى طلابه وقال:
” الحكومة الظالمة أخطر من الذئب. هذا درسنا اليوم”
لأنها تجمع ذئاب تحمل أنبل وأجمل الشعارات في الظاهر وفي السر تمارس كل أنواع الجرائم وتستحق غسل العار. العار في مشهد اطفال النفايات في دولة من اغنى دول العالم.
لتنوقف، ايها الاصدقاء، عن هذه اللغة وحصر الشرف والعار في الفهم السائد فقط لان هذا الوطن يُغتصب ومعه كل ما تبقى من ثروة الاجيال القادمة.
تاريخ العار أبعد وأعمق وأخطر مما يمكن تصوره اليوم.