
أعرفُ امرأةً
تبدّلُ صوتها كلّما مرَّ هو قربَ ذاكرتها
كأنّ الحنينَ جهازُ تنصّت
وتخشى أن يلتقطَ ارتباكها الخام
امرأةً
تتركُ فناجينَ القهوة تبردُ أمامها
لأنّ التفكيرَ فيه
يستهلكُ حرارةَ الأشياء قبل لمسها
أعرفُها ..
تخيطُ يومها بإبرٍ هادئة
تضحكُ في التوقيتِ المناسب
تردُّ على الجميعِ بلباقة
ثمّ تسقطُ فجأةً داخلَ أغنية
كما يسقطُ سرٌّ من جيبِ معطفٍ قديم
امرأةً
إذا اشتاقتْ
لا تكتبُ رسائل
تفتحُ النوافذَ كلّها
كأنّ الهواءَ قد يجلبُ رجلًا أضاعتهُ المسافات
تربكهُ بحضورها
ثمّ تختفي بخفّةِ ساحرٍ
تركَ المنديلَ معلّقًا في دهشةِ الجمهور
أعرفُ امرأةً
تحملُ هذا الرجلَ في قلبها
كما تحملُ المدنُ القديمةُ
أصواتَ الذين مرّوا بها
واستقرّوا فيها كظلالٍ تعلّمتِ البقاء
إذا انسكبَ اسمهُ صدفةً في الحديث
تعتدلُ جلستها فورًا
كأنّ شيئًا صغيرًا داخلَ صدرها
تعرّفَ إلى خطواتِ النجاة
امرأةً
تتقنُ توزيعَ البرودِ حولَ كلماتها
كي لا يلاحظَ أحدٌ
أنّ عاطفتها تشتعلُ من الداخل
كقصرٍ تركتْ أنوارهُ كلّها مضاءة
أعرفُ امرأةً
أرهقتْ هذا الرجلَ
بالأبوابِ المواربة
وبخطواتٍ تتراجعُ لحظةَ النجاة
وبقلبٍ
يخبّئُ حنانهُ
كما تخبّئُ الممالكُ ذهبها وقتَ الحروب
وأعرفُ الشيءَ
الذي يجهلهُ هذا الرجل ..
أنّها كانتْ تحرسُ حبّهُ
بعنفٍ
أفسدَ شكلَ الحبِّ نفسه !