
ـ” اذا كنتم تمثلون المستقبل، فستكون جلودنا أحذية” ـــــــــــــ رواية ” سنوات الحريق” عام 2000.
الواقع كائن حي يولد وله مراحل عمرية كالبشر ثم يضمحل ويمرض ويموت لكن أغرب ما في واقعنا انه لا يموت بل يتفسخ ولا يولد الواقع الجديد بل يحتضر وبين تفسخ واحتضار تولد عاهات مرضية لا مثيل لها في التاريخ.
نحن أقرب الى منعطف غرامشي عندما قال: “القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها” مع الفارق ان جديدنا ولد متفسخاً لأنه ولد من ” صراع الوحش” وليس من رحم أو ثقافة مضادة ومشروع جديد بل ولد من رحم السلطة.
الفارق كبير بين وصف الخراب كما حدث بعد الاحتلال بعد وقوعه وبين توقعه والتحذير منه قبل ولادته وهذه وظيفة الادب الاستباقي Anticipatory Literature أو القصص التحذيرية Cautionary Tales لان المستقبل تراكم الماضي والحاضر ويمكن توقعه بل صناعته. ما جدوى ان تشرح للناس ما يعرفون أكثر مما يعرف الكاتب من تفاصيل هائلة يومية في حين يحتاجون الى رؤية خروج من هذه العتمة الخانقة؟.
الطائفية ليست ظاهرة متعصبة دينية فحسب، وهناك طائفية علمية والتمسك بالحرفيات،
وطائفية سياسية والتمسك بالنصوص، والذين يشنعون على الطائفي الديني، ينسون أنهم أكثر منه طائفية وأخطر، مع الفارق طبعاً بين الاعتزاز الطائفي المنفتح وبين التعصب المنغلق. الحديث هنا عن ظاهرة عامة وهناك حالات منفردة خارج هذا التوصيف.
انتج الدكتاتور معارضة خرجت من الصراع معه وتقمصت اساليبه في الثأر والإنتقام وليست معارضة مشروع بديل كما يولد الصل من الأفعى وعندما صارت سلطة تماهت مع اساليبه للتعويض والانتقام عن ذل معتق مع ان الانتقام الحقيقي في بناء العدالة.
كيف حدث ذلك؟ الطائفي المذهبي يعيش في عالم مغلق، وكل شيء مكتمل في نصوص،
ويمكن تعديل الواقع لو اختلف مع النص، وهي عقلية اليساري الطائفي:
الايديولوجيا، النص، حددت عالم متكامل ومغلق واذا اختلف الواقع مع النص، يتم قهر الواقع والجغرافيا حتى تنسجم مع النص،
ولو تم نقل جماعة عرقية واقتلاعها من المكان
الى مكان آخر:
ستالين هجّر تتار القرم ونقلهم الى مكان آخر وصدام هجر الكرد ونقل قسماً للسهول وللجنوب.
كلاهما يحجزان الزمان والمكان ولا مساحات رمادية ولا تسويات ولا انصاف حلول،
إما الدمج أو المحو والكل أو لا شيء. حسب الفيلسوف بول ريكور في وصف الايديولوجيا.
كلاهما يرفضان التنوع والاختلاف لان العقلية تحتكر المكان والزمان،
واذا تمسكا بإسطورة سياسية أو دينية، النتيجة مذبحة.
الايديولوجيا الثور ـــــــــــ ية ترفض المنافسة لأن الزمان محجوز والمكان والحقائق والسلطة والحرية والعدالة والثروة محجوزة ولا تتواجد عدة آيديولوجيات في مكان واحد كما في تقاليد العصابات لا تتواجد في شارع او مقهى او حانة وحتى في سجن أكثر من عصابة لأنها ترفض المنافسة ولو على رئاسة زنزانة.
هنا وهناك” حنديرة” خيول ــــــــــــــــــ غطاء جلدي على عيون الخيل لكي لا ترى غير الأمام ـــــــــــــــ على شكل نظرية طائفية أو سياسية.
كلاهما يحنط خصومه في موقف او مواقع ويعطيهم رمزا للحفظ مدى الحياة كما لو الانسان ملف او مخزن للاثاث وليس موجة تحولات وطاقات تغيرات.
الطائفي المذهبي يرجع للنص لو واجهته مشكلة في الحياة لأن النص هو الحياة، والحياة ظل،
اليساري الطائفي ــــ المتعدد العناوين من القومجي الى الشيوعجي أو الثورجي أو الليبرالجي وهم في كل الأحوال عقلية واحدة وحزب واحد ــــ يعود للنص لمساءلة الحياة وهو نص انشائي اختفى تماما من الذاكرة بعد ان انتج ضحايا: هنا وهناك نص ومرجعية، ليست الحياة خضراء بل رمادية والنص أخضر. هنا شيخ وهناك رفيق.
النص حي والحياة تفصيل عابر . الحقائق، حسب هذا المنطق، في النصوص لا في الحياة. يجب تغيير الحياة لكي تناسب النصوص كما فعلت النظم الشمولية وتحطمت.
الاول يريد من الاخر المختلف التوبة والثاني يريد من المحتج المختلف النقد الذاتي: نزع الهوية الفردية في الحالتين.
الأول يريدك أن تموت باسم المقدس كما يفهمه والثاني يريدك أن تموت باسم النظرية، الأهم أن تموت لكي تكتمل.
لست انت كما تريد بل كما نريد. الاول مغلق على حكايات وحكم ومواعظ ومصدق انه مجاهد،
والثاني قافل على حكايات وحكم ونصوص ومصدق انه ثورجي في البار والمقهى،
وكم كانت الدهشة بحجم الكون عندما عرفت ان عالم هؤلاء تعاقب عليه القوانين في دول الحداثة لانه عالم مافيوي مغلّف كما ان قواعد الاحزاب في الترويض نفس قواعد تعليم الكلاب المنزلية على بعض العادات: التكرار، التلقين، العقاب، المكافأة.
عندما تختلف مع صرصار سياسي أو ثقافي عراقي في المكسيك أو السويد أو جزر القمر ، تندلع ضدك حفلة عواء ومقاطعة في عواصم عدة دون أن يعرفوا السبب كما لو أننا في زمن الجاهلية،
كما لو أنك دست كلباً في الظلام، تنبح كلاب القرية من بعيد . السبب سنوات التلقين الحزبي الببغائي كما لو اننا قبيلة ولا فرق بين يسار أو يمين مع ان تاريخ الثقافة هو تاريخ اختلاف وليس تاريخ تطابق وهكذا تُنتج المعرفة وتتطور إلا في مجتمع النسخ والقطيع والتشابه،
كما لو أننا لم نخرج من زمن الشاعر جرير:
” إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا”.
الطائفي المذهبي يعلن حرباً على أعداء لا يعرف من هم لكنه ملقن من الشيخ على عقلية الخصومة، والطائفي اليساري الثورجي التتنجي يعلن حرباً على اعداء لا يعرفهم لانه ملقن من الرفيق:
الأول تلقى أمراً والثاني تلقى توجيهاً، هنا ببغاء وهناك ببغاء وتختلف الوان الاقفاص.
هنا وهناك عواء في الليل دون معرفة السبب عندما تدوس كلباً في الظلام: ذهنية التلقين. التعصب في الحالتين إرهاب.
الطائفي المذهبي يؤمن بزمن واحد هو زمن التأسيس ويفسره على هواه،
ويلغي الازمنة وحلمه العودة للسلف الصالح،
والوهابي اليساري عنده زمن تأسيس الحزب وولادة الايديولوجيا ويفسرها على هواه ويلغي الأزمنة، ويحلم بالعودة الى زمن النص والقائد المؤسس،
هنا وهناك تغييب للعقل واستقالة عقلية.
كل لحظة هي تٍاسيس، والحياة والبشرية تنتج أفكاراً جديدة ولسنا في متحف الشمع.
الاخر غير الشبيه للطائفي المذهبي عدو وكافر يجب أن يقتلع، والمختلف للطائفي اليساري عدو طبقي ومنحرف يجب ان يقتلع،
هناك فتوى قتل المختلف وهنا عنف ثوري، في الحالتين قتل بلغة تبرير. لا قتل بلا لغة مبررة.
الطائفي المذهبي غارق في الطقوس ومراثي الماضي، الحاضر عورة ونكبة ويجب تصحيح الحاضر لكي يشبه الماضي الصالح،
والطائفي اليساري غارق في طقوس التأبين ومراثي الماضي وبطولات عبور الحيطان والاختباء في التنور كما لو انها معجزات ، والحاضر نكبة ويجب تصحيحه لكي يشبه الماضي” الثور ــــ ي “.
كل رموز الطائفي المذهبي في الماضي، الحاضر عقيم ومخصي،
وكل رموز اليساري الطائفي في الماضي، زمن المشانق والاعدامات بلا سر ثورة.
سلاح الطائفي المذهبي فتوى الشيخ، وسلاح الطائفي اليساري قرار الرفيق،
هنا وهناك تابع ومتبوع وشيخ ومريد.
مرة قال لي عضو قيادي في حزب ثوري طبقي حي اليوم بعمر الخرافة ونحن على مائدة طعام في منزله في كوبنهاغن عام 1993 ضاحكاً” من يختلف معنا نضعه على حمار أبتر ونطوف به المدن دون أن يدري”.
ولأنني لا افهم هذه اللغة المبطنة، لغة العصابات، وعشت في بيئة وشعب يقول كما يفكر بوضوح ولأنها ليست لغتي، كانت انذاراً مشفراً، وشاءت الأقدار أو الحماقات أو الصدف بعد صدور روايتي” سنوات الحريق” التي كانت نقداً لهذه الجماعات أن أكون أنا فوق هذا الحمار ودون أن أدري لأني في عزلة عن هؤلاء. في فقرة في الرواية الصادرة عام 2000 تقول:
” اذا كنتم تمثلون المستقبل، فستكون جلودنا أحذية” وصارت أحذية بعد عام 2003.
اندلعت حملة في كل مكان تحمل التهم نفسها ومن غوغاء ملقنين لا أعرف واحداً منهم ولا يعرفني أحد ولو عشت بينهم سنوات مما يؤكد وحدة المركز. هؤلاء عندهم تسميات مختلفة مقلوبة لهذا السلوك الاجرامي كمكافحة قوى الثورة والتاريخ والطبقة مع ان القوانين الحديثة في الغرب تعاقب على هذه الجرائم اليوم لكنها تعتبر ممارسة “ثورية” عند هذه الجماعات المغلقة.
هنا طاعة عمياء للشيخ وهناك طاعة عمياء وانضباط مركزي للرفيق. في الحالتين تسليم المصير: أنت تسأل ونحن نجيب. كل الأجوبة في النص للطائفي المذهبي، وكل الاجوبة في النص للطائفي اليساري:
رغم اختلاف العناوين لكن العقلية واحدة.