
من غير المرجح ان يكون أرشيف صدام حسين الصوري الذي ظهر بقوة في الفترة الأخيرة هو من أنصاره وعشاقه فحسب،
هذا الأرشيف الضخم والتفصيلي بهذه القوة والوضوح والتسلسل والاستمرارية نتاج مؤسسات أمنية واعلامية تؤرشف قبل سقوط صدام حسين لأن المعركة على الأرشيف هي معركة السيطرة على الذاكرة ومن ثم على الواقع وتزييف الوعي.
الأرشيف ليس غرفة مغلقة بل حافظ للذاكرة ومن يملكه ويديره يستطيع التحكم بالوعي وبمسار الأحداث بالتركيز على زوايا وتجاهل أخرى. تظهر صور صدام حسين كمحارب ومفاوض أنيق ورب أسرة كما تظهر صوره في المحكمة كرجل عنيد وثابت عكس ما هو خارجها كما في اعترافات القضاة في أن صدام في المحكمة ليس هو في الاستجواب او التحقيق السري.
كل صور صدام بلا استثناء منزوعة السياق Decontextualization والظروف وتعقيدات زمن الصورة. عندما يظهر في حفل أو صور من المعركة أو جلسة مفاوضات لا تحضر مجازر الحروب العبثية ولا المقابر الجماعية ولا كل أشكل الإرهاب والأمن والمخابرات والكوابيس والأشباح.
عندما تجرد الصورة من السياق وتظهر نظيفة ومعقمة ووردية تتحول الى سلاح خداع وحبس العراقي في معادلة الزمن الجميل مقابل عكسه وحبسه في زمن صدام حسين وحروبه المقدسة ضد أعداء اليوم وانتصاره المزعوم عليهم لتكريس صورة واحدة للعدو وغض النظر عن تشكيلة واسعة من الأعداء مما يجعلنا نشك في ان هذا الكم الهائل من الصور نتاج دولة ومؤسسة ومراكز متخصصة مع هواة صغار وغشم لم يعرفوا تلك المرحلة ولم يذوقوا ويلاتها المستمرة حتى اليوم وبعده.
عندما تعزل الصورة عن ظروفها تتحول من شاهد على مرحلة الى اداة خدمة ويتحول جزء صغير من الصورة الى كل الواقع وتختفي في الخلفية المآسي الكبرى وخاصة عندما تربط الصورة بعنوان مزيف كمثلا” صور زمن السيادة الوطنية”، فإن العقل يربط بين التفاصيل البصرية والعنوان ويزور الحدث بالكامل مع صورة حقيقية لكن بلا خلفية.
في مجتمع الاستعراض أو” مجتمع الفرجة” حسب كتاب جي ديبور تصبح الصورة هي الحقيقة الوحيدة في الماضي وفي الحاضر وحسب جي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة:
” كان مقياس الإنسان يعتمد على ما هو عليه (أفكاره وقيمه)، ثم تحول مع الرأسمالية إلى ما يملكه من أشياء. أما في عالم الفرجة، فقد أصبح المقياس هو ما يظهره؛ أي أن الشيء لا وجود له ما لم يُلتقط في صورة أو فيديو”.
حسب الضخ المستمر لصدام حسين بصورة البطل الغائب نحن لا نملك ذاكرة حقيقة ولم نذهب الى الحروب والمشانق وحفر الموت ولا الى المنافي ولا اليتم والترمل وقطع الرؤوس في الشوارع،
ان كل هذا من صنع ناكري الجميل وأبناء الخطيئة والأعداء وزمن صدام حسين في المزاح مع فلاح أو ربة بيت أو في صورة منتقاة من جبهة حرب أو وهو يرقص.
في معركة أرشيف صدام حسين المستمرة كل لحظة لا قيمةلها ولا معنى للتجربة الانسانية لأن كل شيء يمر من خلال صور زعيم الأمة ، كل شيء قابل للاستهلاك ، بدلته العسكريه، نظرته، عنفه، مشيته.
من وجهة النظر هذه الحقيقة هنا وإما نحن فخلفية الصورة التي بلا حضور وحسب الفيلسوف جان بودريار” نحن نعيش في عصر النسخ التي لا أصل لها” لأن الصورة لا تعكس الواقع بل تصنع واقعاً وتزيفه وتمحي الحدود بين الحقيقة والنسخة ولم تعد الصورة وسيلة لفهم الواقع بل وسيلة لتزويره لكي ينسجم مع الصورة.
لقد عرض صدام حسين نفسه حياً وميتاً كصانع مشهد وخبير في الصور والأوضاع وصناعة الرمز الذي لا يغيب سواء بالزي العسكري او العصري او العشائري وأرشيف صدام أمس واليوم ليس صوراً فحسب بل هو الرواية الرسمية على أخطر مرحلة تاريخية في العراق مستمرة النتائج وإن حبسنا في” عالم صدام حسين” مقصود ومريح لجهات عدة في الداخل والخارج لكي لا نخرج الى فضاء الحرية والمستقبل ولكي تترسخ صورة “العدو الواحد” .
لا غرابة أن هناك من حكم بالإعدام لتمزيق صورته أو جداريته لأن نظامه لا يفرق بين الأصل والنسخة وهذه طبيعة الطيف او الرمز وكانت بعض الجداريات حتى في الحرب تحت حراسة مشددة في الليل من التخريب مع ان هذا الكم الهائل في كل مكان للصور والجداريات هو التخريب الحقيقي المدمر للوعي وهو دعوة رسمية للنفاق.