رؤي ومقالات

إدريس آيات يكتب :حين يُعاد ترتيب الزمن لصناعة الرواية: تفكيك السردية التي اتهمت إبراهيم تراوري بالتطبيع مع إسرائيل وتوظيف الدين في بناء الانطباع

▪️أو كيف تحولت مراسم دبلوماسية اعتيادية إلى رواية عن محاربة الإسلام؟
يا أعزائي القراء، أود اليوم أن أصحبكم، بحكم تخصصي في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، إلى قاعة من قاعات كلية العلوم السياسية والاجتماعية، وتحديدًا إلى إحدى أكثر المقررات إثارةً للاهتمام في نظري، وهي مادة علم الاتصال السياسي (Political Communication).
هذه المادة، لا تبدأ بتعليم طلبة السنة الأولى كيف يكتبون خطابًا سياسيًا، إنّما تبدأ بتعليمهم أبجديات صناعة الرواية؛ وكيف تنجح الحكومات، والمؤسسات، بل وحتى الجماعات والأفراد، في بناء سرديات مضللة تبدو في ظاهرها حقائق لا تقبل الجدل، بينما هي في حقيقتها بناءٌ مقصود، صيغ بقدر كبير من الحنكة والدهاء!
ذلك أن المتلقي، في أغلب الأحيان، لا يواجه مجرد معلومة، وإنما يواجه سردية (Narrative) متكاملة، صيغت بعناية لتوجّه إدراكه قبل أن تطلب منه الاقتناع. ذلك أنّ السردية الناجحة لا تكتفي بعرض الوقائع، وإنما تعيد ترتيبها في قصة تجعل المتلقي يشعر أنه لا يقرأ حدثًا، إنّما يعيش موقفًا أخلاقيًا يفرض عليه أن ينحاز إلى أحد أطرافه.
ومن هذا المنطلق، استوقفني مقالٌ لكاتب مصري يُدعى أبو فايد، أصبح مرجعًا لكثير من القراء العرب أثناء الجدل الذي أعقب آخر تصريحات الرئيس إبراهيم تراوري، ثم ما لبثت أفكاره أن انتشرت، فنقلها عنه عدد من المستعربين وغيرهم من الإعلام العربي دون التحقق من صحتها.
وبعد قراءة متأنية لذلك المقال، انتهيت إلى قناعة مفادها أن كاتبه لا يبدو منشغلًا بالبحث عن الحقيقة بقدر انشغاله بصناعة الانطباع. بل إن النص، في تقديري، يقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن نسميه في علم الاتصال السياسي ب«هندسة الإقناع»؛ وهي عملية لا تقوم على قوة الدليل، بقدر ما تقوم على حسن ترتيب عناصر التأثير النفسي والرمزي.
ولو أردنا تفكيك هذه الهندسة، لوجدنا أنها قامت على أربع طبقات متتابعة:
• ادعاء مغلوط يُطرح بوصفه حقيقة.
• استثارة عاطفية تُضعف التفكير النقدي.
• إضفاء قداسة دينية على الرواية المطروحة.
• ربط الخصم بشخص أو جهة ذات سمعة سيئة، بما ينقل إليه تلك الصورة الذهنية تلقائيًا.
وقد يبدو كل عنصر من هذه العناصر، إذا نُظر إليه منفردًا، محدود الأثر وضعيف التأثير، غير أن اجتماعها داخل بنية سردية واحدة هو الذي يصنع ما نُسميّه في علم الاتصال السياسي بـ «التأثير التراكمي» (Cumulative Effect)، حيث لا تُقنع الفكرة المتلقي بقوة برهانها، وإنما بتراكم الرسائل النفسية والرمزية التي تحيط بها حتى تبدو، في نهاية المطاف، وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وقد بدأ مروّجو هذه السردية بإطلاق ادعاء مفاده أن إبراهيم تراوري يهاجم الشريعة الإسلامية. ثم لم يلبث الخطاب أن تصاعد إلى مستوى آخر، ليُقال إن «الأسوأ من ذلك أنه يتهم العرب باستعباد الأفارقة طوال ألف عام، وتلك كارثة كبرى».
وقد تبنّى هذه السردية أحد الكتّاب في جمهورية مالي، الذي يعرّف نفسه بـ «المفكر الإسلامي»، وزعم أن إسرائيل عرضت على بوركينا فاسو الردّة، على غرار النموذج الذي يربطه بالإمارات العربية المتحدة، مقابل تزويدها بتكنولوجيا زراعية” انتهى الاقتباس
أين جاء هذا ” المفكر الإسلامي” بهذا الادعاء؟
هل كان حاضرًا في الاجتماع؟ ما المصدر؟
أين الدليل القابل للتحقق؟
لكن قبل أن نناقش هذه المزاعم واحدةً تلو الأخرى، أدعوكم إلى أن نعود إلى بداية القصة.
من البداية تلاحظون شيئًا مهمًا: الكتّاب لم يقدمو دليلاً واحدًا، بل استخدمو ثلاث أدوات معروفة في هندسة الإقناع؛ إثارة الغضب ( تراوري يهاجم الإسلام)، ثم استدعاء الدين ( الردّة)، ثم ربط القصة بجهة يكرهها الناس (إسرائيل)، حتى يشعر القارئ أن القصة صحيحة قبل أن يسأل: ما هي الأدّلة على ذلك؟
وهي طريقة معروفة في الدعاية والاتصال السياسي تقوم على مزج عناصر صحيحة مع عناصر خاطئة حتى تبدو القصة كلها صحيحة.
▪️ نبدأ ببداية القصة وحقيقتها
حتى تتضح الصورة كاملة، سأقسم هذه القضية إلى ثلاث محطات رئيسية، لأن فهم كل مرحلة منها هو المفتاح لفهم ما أعقبها من تأويلات وروايات.
المحطة الأولى: سياق ديني سبق الأزمة بأكثر من عام
إذا عدنا إلى التغطيات الرسمية، نجد أن أول محطة ذات صلة بهذه القضية لا تقع في عام 2026، وإنما في الأول من مايو/أيار 2025.
ففي ذلك التاريخ بدأ الشيخ سيدي علي بلعرابي، الخليفة العام للطريقة التيجانية من الجزائر، زيارة رسمية إلى بوركينا فاسو، تلبيةً لدعوة من قيادات الطريقة التيجانية في البلاد. وشمل برنامج الزيارة لقاءات دينية واجتماعات مع شخصيات رسمية، إضافة إلى زيارات للزوايا التيجانية ومؤسساتها في بوركينا فاسو.
وخلال الزيارة استقبل الشيخ الدكتور أبو بكر دوكوري، مستشار الدولة للرئيس إبراهيم تراوري الدولة للشؤون الدينية، في لقاء أعلن عنه رسميًا. ولا يثبت هذا اللقاء، بطبيعة الحال، وجود تحالف سياسي أو ديني، لكنه يثبت أمرًا آخر أكثر أهمية، وهو أن التواصل بين الدولة وبعض المرجعيات الصوفية كان قائمًا بصورة علنية قبل اندلاع أزمة بوركينا فاسو مع التيار السلفي في البلاد.
وفي الثاني من مايو/أيار 2025 أمَّ الشيخ بلعربي صلاة الجمعة في المسجد التيجاني في بوركينا فاسو ، بحضور واسع من أتباع الطريقة، ثم، في الرابع من مايو/أيار 2025، أُقيمت مراسم تنصيب الحاج سعيد قادر سوادوغو رئيسًا للجماعة الإسلامية التيجانية في بوركينا فاسو، بحضور الشيخ سيدي علي بلعرابي وعدد من المسؤولين الحكوميين.
وقد يتيح هذا التقارب بين الدولة والطرق الصوفية التيجانية قراءة الأزمة ضمن التنافس الأوسع على المرجعية الدينية بين السلفية والصوفية.
▪️ المحطة الثانية: مشروع تنظيم بعض جوانب المجال الديني
بعد عام من زيارة الخليفة العام للطريقة الصوفية الجزائرية، بدأت السلطات البوركينابية مناقشة مشروع تشريعي يتعلق بتنظيم بعض جوانب ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية في الأماكن العامة، وهو مشروع أثار نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الدينية.
وكان من أبرز المنتقدين لهذا المشروع الإمام الدكتور محمد إسحاق كندو من التيار السلفي، الذي وجّه انتقادات حادة إلى السلطة، وشبّه بعض إجراءاتها بما كان يفعله أبو جهل في مواجهة الدعوة الإسلامية، معتبرًا أن المشروع يمس جانبًا من حرية ممارسة الشعائر.
لكن الجزء الذي لمْ يُذكر أنّه خلال الزيارة التي قام بها الخليفة بلعرابي ، الشيخ الذي استقبله في مقر إقامته كان الدكتور أبو بكر دوكوري، مستشار الرئيس إبراهيم تراوري للشؤون الدينية وهو صوفي، وهي محطة ذات دلالة؛ إذ تكشف أن الزيارة لم تكن نشاطًا دينيًا شعبيًا معزولًا، وإنما جرت في إطار تواصل واضح مع مؤسسات الدولة. كما الدكتور دوكوري كان من المؤيدين لمشروع القانون الذي طرحته حكومة إبراهيم تراوري، وباعتباره المستشار الديني للرئيس إبراهيم تراوري، لا يُستبعد أن يكون من بين الذين رضوا بالقرار أو صاغوه.
ولا يختلف اثنان أنّ مشروع القرار الذي عارضه الدكتور كندو من التيار السلفي والتصريحات التي أعقبه أسهم في رفع مستوى التوتر بين الطرفين، كما لا يختلف اثنان في أن أسلوب السلطة في إدارة هذا الملف، ولا سيما قرار توقيف الإمام السلفي الدكتور كندو، أثار بدوره جدلًا مشروعًا داخل بوركينا فاسو وخارجها. ومن الإنصاف الإقرار بأن إدارة الخلافات الدينية الحساسة تحتاج، في مثل هذه الحالات، إلى قدر كبير من الحكمة السياسية وضبط النفس، حتى لا تتحول الخلافات الفكرية إلى أزمات مجتمعية، وهذا ما لم تُحسن السلطات في بوركينا فاسو في إدراته، وكذلك خروج الدكتور كندو كان يُمكن تجنبّه والنصح في السرّ كما تدعو إليه التعليمات السلفية بعدم الخروج على الحاكم، والنصح له في السرّ غير العلن.
غير أن موضع اهتمامنا هنا ليس تقييم قرار التوقيف، ولا الحكم على مواقف أي من الطرفين، وإنما تحديد موقع هذا الحدث داخل التسلسل الزمني.
فبحسب البيانات الصادرة عن فدرالية الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو، اعتُقل الإمام الدكتور محمد إسحاق كندو في 26 مايو/أيار 2026. وهذه هي النقطة المفصلية التي ينبغي تثبيتها قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
فإذا ثبت أن الاعتقال وقع في 26 من مايو، فإن أي رواية تجعل حدثًا وقع بعد ذلك بشهر سببًا مباشرًا له تصبح نوعًا من التدليس والتضليل. ويجدر بالقارئ أن يحتفظ بهذه الحقيقة البسيطة
عندما اعتُقل الإمام الدكتور محمد إسحاق كندو، لم يكن السفير الإسرائيلي قد قدّم أوراق اعتماده إلى رئيس بوركينا فاسو بعد. وهذه ليست وجهة نظر، ولا تفسيرًا سياسيًا، وإنما مجرد ترتيب زمني للوقائع.
ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للسردية.
▪️المحطة الثانية : ماذا جرى فعلًا في السادس والعشرين من يونيو/حزيران 2026؟
الإجابة عن هذا مهم جدًا، المحور الذي بُنيت عليه واحدة من أكثر الروايات تداولًا، دعونا نفكك هذه الرواية بالعودة إلى الوقائع المثبتة وتسلسلها الزمني.
ذلك أن معظم الروايات المتداولة تعاملت مع هذا التاريخ بوصفه نقطة الانطلاق التي تفسر كل ما أعقبها. فقد جرى تداول صورة الرئيس إبراهيم تراوري مع السفير الإسرائيلي على نطاق واسع، ثم أُلحقت بها استنتاجات سياسية ودينية متعددة، حتى بدا للقارئ أن هذا اللقاء كان حدثًا استثنائيًا غيّر سياسة الدولة، وأطلق سلسلة من القرارات اللاحقة.
إذا أمكن تلخيص الادعاء المركزي الذي قامت عليه تلك السردية المُضللة؛ فهي في النقاط الآتية:
• أن إبراهيم تراوري بدأ حربًا على الإسلام.
• وأن هذه الحرب جاءت بعد التطبيع مع السفير الإسرائيلي.
• وأن السفير الإسرائيلي كان وراء هذا التحول ومشروع الهجوم على الإسلام، مقابل تعاون إسرائيلي في المجال الزراعي.
• وأن اعتقال الإمام الدكتور محمد إسحاق كندو كان أحد نتائج هذا التقارب.
• وهجوم طلاب الدراسات الشرعية.
إذن؛ ماذا عن الادّعاء القائل بأنّ الرئيس إبراهيم تراوري دخل في خصومة مع الإسلام بعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
أولًا، ينبغي أن نقرر حقيقة أساسية كثيرًا ما غابت عن هذه السردية، وهي أن الرئيس إبراهيم تراوري لم يُقدِم أصلًا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فالعلاقات الدبلوماسية بين بوركينا فاسو وإسرائيل ليست وليدة عهده، بل تعود إلى سنوات طويلة سبقت وصوله إلى السلطة. كما أن بوركينا فاسو دولة يشكل المسيحيون نحو 30٪؜ من سكانها ( قرابة 7 ملايين)، ولم يسبق لها، عبر تاريخها الحديث، أن عرفت رئيسًا مسلمًا قبل إبراهيم تراوري؛ فجميع الرؤساء الذين سبقوه كانوا من المسيحيين، وهو أول رئيس مسلم يتولى قيادة البلاد.
وفي هذا السياق، درجت الدولة البوركينابية، منذ عقود، على اعتماد السفير الإسرائيلي المقيم في جمهورية ساحل العاج، وذلك في إطار العلاقات الدبلوماسية القائمة، ومن بينها ما يتصل بتيسير رحلات الحج المسيحي إلى الأراضي المقدسة في إسرائيل، حيث يرتبط ميلاد السيد المسيح عيسى عليه السلام في المعتقد المسيحي.
وانطلاقًا من هذه المسؤولية، فإن إبراهيم تراوري، بوصفه رئيسًا لدولة تضم ما يقارب 7 ملايين مسيحي، هو رئيس لجميع مواطنيها، كما هو رئيس للمسلمين فيها الذين يشكلون 63٪؜ من السكان بحسب مركز بيو لإحصائيات عام 2025. ومن ثم، فكما لا يصح لرئيس مسيحي أن يمتنع عن اعتماد سفير المملكة العربية السعودية بحجة أنه يمثل دولة تُيسِّر شؤون المسلمين الدينية، لا يكون من المتصور، من المنظور نفسه، أن يمتنع رئيس مسلم عن اعتماد السفير الإسرائيلي في إطار ما يتعلق بشؤون المواطنين المسيحيين في بلاده.
▪️ إذن؛ من أين يبدأ التضليل في السردية السياسية؟
هنالك حقيقة أكثر أهمية مما سبق، وهي أن السفير الإسرائيلي لم يُستقبل في مراسم خاصة أو استثنائية، ولم يكن وحده من قدّم أوراق اعتماده، كما حاولت بعض الروايات أن توحي، بل كان واحدًا ضمن مجموعة من السفراء الذين استكملوا الإجراءات البروتوكولية نفسها في التوقيت ذاته. وكان السفير الإسرائيلي، والسعودي أحد هؤلاء السفراء، دون أي تمييز أو إجراء استثنائي بجانب 7 سفراء آخرين في اليوم نفسه. ( سأضع لكم المصادر في أوّل تعليق)
وضمت القائمة ثمانية سفراء في نفس اليوم، وفقًا للأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية المعمول بها كلًا من:
• سعد مسفر أحمد الميموني، سفير المملكة العربية السعودية.
• باتريك جابر، ممثل منظمة فرسان مالطا ذات السيادة.
• أوليفيرا فرانسيسكو خواكيم إنكوجي، سفير جمهورية أنغولا.
• جامع حسن خليف، سفير جمهورية الصومال الفيدرالية.
• بامبانغ سوهارتو، سفير جمهورية إندونيسيا.
• سيليستين جيرفاس كاكيلي، سفير جمهورية تنزانيا المتحدة.
• محمد حبيب الله، سفير جمهورية بنغلاديش.
• سيمون-كليمان سيروسي، سفير دولة إسرائيل، وهو سفير غير مقيم يتخذ من ساحل العاج مقرًا لعمله الدبلوماسي، ومعتمد لدى بوركينا فاسو إلى جانب جمهورية توغو وجمهورية بنين في غرب إفريقيا. لذلك يمكنكم أن تروا في الصور المرفقة والمراجع أنّه سفير إسرائيل لدى ساحل العاج.
ومن هنا بغرض التضليل؛ تم اختزال ثمانية سفراء إلى صورة واحدة،؛ بينما الحدث الأصلي كان يضم ثمانية سفراء. وفي الرواية المتداولة، اختفى سبعة منهم تمامًا. وبقيت صورة واحدة؛ صورة السفير الإسرائيلي.
وهنا لا يكون السؤال: لماذا نُشرت صورة السفير الإسرائيلي؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث عندما تُنتزع صورة واحدة من مناسبة ضمت ثمانية سفراء، ثم تُقدَّم للقارئ كما لو أنها تمثل المناسبة كلها؟
هنا ننتقل من نقل الحدث إلى إعادة تأطيره.
وفي علم الاتصال السياسي يُعرف هذا الأسلوب بـ التأطير الانتقائي (Selective Framing)؛ أي إبراز جزء من الواقع، مع حجب بقية الأجزاء، بما يدفع المتلقي إلى تفسير الحدث تفسيرًا مختلفًا عن صورته الكاملة.
ثم، هل يكفي تقديم أوراق الاعتماد لإثبات التبعية والتطبيع؟
لو سلّمنا، على سبيل الجدل، بأن مجرد تقديم أوراق الاعتماد يكشف عن توجهات الدولة السياسية أو الدينية، لوجب تطبيق هذا المعيار على جميع السفراء الذين شاركوا في المراسم نفسها.
فهل أصبح اعتماد سفير المملكة العربية السعودية دليلًا على تبنّي بوركينا فاسو للسياسة السعودية الدينية؟ من الواضح أن أحدًا لا يقول بذلك.
وإذا كان هذا المعيار لا يطبق إلا على سفير واحد دون غيره، فإن المشكلة لا تعود إلى الحدث نفسه، وإنما إلى الطريقة التي جرى تفسيره بها.
فالمنهج الموضوعي يشترط اتساق المعيار. أما إذا تغيّر المعيار بتغير الدولة المعنية، فإننا لا نكون أمام تحليل، بل أمام انتقائية تفسيرية.ف الانطباع الذي تولد لاحقًا، فهو أن رئيس الدولة خصّ السفير الإسرائيلي بلقاء سياسي استثنائي كان بداية تحول في سياساته الدينية.
وفي أدبيات الاتصال السياسي، تُعرف هذه الممارسات بعدة آليات متداخلة؛ من أبرزها التأطير (Framing)، الذي ذكرته أعلاه آنفًا؛ حيث يُنتقى جزء من الواقع ويُمنح أهمية أكبر من غيره، والاجتزاء من السياق (Contextomy)، حيث تُقتطع الوقائع أو الأقوال من سياقها الأصلي فتؤدي معنى مختلفًا.
والأخطر مما سبق؛ أيضًا تظهر هذه الممارسة التضليلية؛ مغالطتان معروفتان في تحليل الخطاب:
الأولى: الإدانة بالاقتران (Guilt by Association)، حين يُربط شخص أو فكرة بجهة مثيرة للرفض كإسرائيل في ذهن الجمهور، وبالتالي يُدفع الجمهور إلى تصديق سردية خاطئة دون دليل.
والثانية: مغالطة السببية الزائفة (False Causality)، أو ما يسميه المناطقة مغالطة Post hoc ergo propter hoc؛ أي الاعتقاد بأن الحدث اللاحق وقع بسبب الحدث السابق لمجرد أنه جاء بعده.
وهاتان المغالطتان لا تثبتان شيئًا في حد ذاتهما، لكنهما تمتلكان قدرة كبيرة على تشكيل الانطباعات، خصوصًا حين تقترنان بقضايا دينية أو أخلاقية تستثير المشاعر قبل العقل.
ومن ثم، فإن تصوير هذه المناسبة على أنها لقاء خاص جمع الرئيس البوركينابي بالسفير الإسرائيلي، مع إغفال حقيقة أن سبعة سفراء آخرين قدّموا أوراق اعتمادهم في الجلسة نفسها، لا يعكس الصورة الكاملة للوقائع، بل ينتزع حدثًا بروتوكوليًا من سياقه الطبيعي، ثم يُحمّله دلالات سياسية -التصريحات عن طلاّب الشريعة- لا يثبتها الحدث ذاته ولا يسندها التسلسل الزمني للأحداث.
ومن هنا يُدرك القارئ الصادق مع نفسه مباشرةً إلى أنّ وجود السفير السعودي في المراسم نفسها يُضعف بشدة محاولة تصوير الحدث وكأنه اجتماع إسرائيلي خاص هدفه توجيه سياسة تراوري الدينية.
وكما أشرت سابقًا؛ أنّ السفير سيمون-كليمان سيروسي سفير غير مقيم في بوركينا فاسو؛ فمقر عمله في أبيدجان بساحل العاج، وليس في واغادوغو، وغادر في اليوم التالي مباشرةً إلى جمهورية توغو وبنين لتقديم أوراق اعتماده هنالك لرؤساء تلك الدول لوجود أكثرية مسيحية في تلك البلاد تمامًا كما في مقر إقامته في ساحل العاج حيث المسلمون أقلية، مع أنّ الرئيس مسلم وهو الحاج الحسن تراوي، أوّل رئيس مسلم للبلاد، ولم ينزعج أي واحد من هذه العلاقة. لكن في حالة بوركينا فاسو؛ تم اقتطاع صورة واحدة من بين ثمانية بغية التضليل والتدليس، والقول ب ” التصهين” وهو ما يتعارض مع الحقيقة.
هكذا تُصنع الأكذوبة السياسية والسرديات الدينية المُضللة؛ في علم الاتصال السياسي؛ من إعادة ترتيب الزمن إلى توظيف الدين.
وهكذا بنتها أيضًًا خصوم الرئيس إبراهيم تراوري؛ خطوة بخطوة:
1. اختيار نقطة بداية زائفة.
2. حذف الوقائع التي شملت سفراء آخرين.
3. قلب التسلسل الزمني أو التلاعب به.
4. تحويل التزامن إلى سببية.
5. توظيف الدين لإغلاق التفكير النقدي.
6. استدعاء عدو مكروه لتثبيت الرواية.
7. دفع الجمهور إلى مشاركة القصة قبل التحقق منها.
وهذا بالضبط ما نُسمّيه في علم الاتصال السياسي ب “التلوث السردي” (Narrative Contamination): عندما تُربط أحداث صحيحة بأحداث أخرى لا علاقة سببية مثبتة بينها، فتتولد في ذهن المتلقي قصة تبدو متماسكة رغم أن ترابطها قائم على الإيحاء لا على البرهان. هذا يصف بدقة الآلية التي تقول إن زيارة دبلوماسية، ثم تصريح سياسي بعد شهر، ثم اعتقال سابق لشيخ دين، تُعرض وكأنها سلسلة سببية واحدة من دون دليل مباشر.
للتبسيط فقط؛ لو قلت لكم:
“دخل الطبيب الغرفة، ومات المريض.” سيظن السامع أن الطبيب تسبب في موته.
لكن لو كانت الحقيقة:
“المريض مات، ثم دخل الطبيب لتوثيق الوفاة.”
فإن الكلمات نفسها موجودة، لكن ترتيبها غيّر الحقيقة بالكامل، وهذا بالتحديد ما حدث في محاولة التلاعب بقضية إبراهيم تراوري مع اعتماد أوراق سفير إسرائيل المقيم في ساحل العاج. حتى ذهب بعض الكتّاب الذين يتبنّون الخطاب الإسلامي وبعض الإعلام العربي الذي لم يتحقق من الأحداث بما فيه الكفاية بوصفه ب “الصهيوني” و ” المطبّع” وغيرها من الأوصاف، بغرض الاغتيال المعنوي له، لماذا؟ فقط لأنّه تطرّق إلى جزء من تاريخنا وتراثنا الحضاري الإسلامي المشترك وهو موضوع محلّ جدل. إذن الغرض من التهجّم غير المبرّر هو معاقبة شخصٍ تحدث عن استرقاق العرب للأفارقة، وتم توظيف الدين والصهيونية كغطاء، غطاء لا يستقيم مع حقيقة الأحداث، كما شاهدناه أعلاه.
واللافت أن بعض من حمّل مراسم الاعتماد في واغادوغو معنى التكفير أو التبعية لا يستخدم المعيار نفسه تجاه دول عربية وإسلامية تقيم علاقات دبلوماسية كاملة ومعلنة مع إسرائيل، مع تعاون استخباراتي مع الموساد.
لماذا لم نرَ هؤلاء يهاجمون ملوكًا وأمراء ورؤساء دول، كالأردن، والمملكة المغربية مثال بين آخرين، أو حتى الرئيس رجب طيب أردوغان، فيصفونهم بالكفر والردة، أو يتهمونهم بأنهم مشاريع للهجوم على الإسلام ومتصهينين، مع أن هذه الدول تقيم علاقات سياسية وأمنية؛ واقتصادية مع إسرائيل تفوق، في حجمها، ميزانية بوركينا فاسو بأكملها؟ أم أن هذا المنطق لا يُطبَّق إلا على رئيسٍ إفريقي مسلم؟
وليس المقصود هنا محاكمة سياسات تلك الدول العربية والإسلامية، بل اختبار اتساق المعيار: هل تقديم أوراق الاعتماد وحده برهان على اتفاقية مشتركة على محاربة الإسلام، أم أن هذا التأويل لا يُستدعى إلا انتقائيًا عندما يكون المستهدف إبراهيم تراوري؟
إنّ أخطر أنواع الكذب ليس اختلاق الوقائع، بل إعادة ترتيبها. فالوقائع نفسها قد تكون صحيحة، لكن إذا قُدِّمت خارج سياقها الزمني، تحولت إلى قصة أخرى تمامًا. وهذا النوع من التدليس يتنافى مع حتى تعاليم الإسلام، وحرمة كتمان العلم.
▪️المحطة الثالثة، ومنها تتجلى آلية صناعة السردية بوضوح.
ما أثار غضب منتقدي تراوري، في المقام الأول، لم يكن حديث الرئيس عن بعض طلبة الشريعة، ولا موقفه من الطلبة، وإنما تطرقه إلى قضية تاريخ استعباد العرب للأفارقة، وهي قضية شديدة الحساسية لدى كثيرين. ولذلك أُعيد ترتيب الوقائع، وقُلِبت التواريخ، ورُبطت أحداث لا علاقة سببية بينها، ليبدو للرأي العام أن رئيس الدولة تلقى تعليماته من سفير إسرائيلي وصل حديثًا إلى البلاد.
▪️ نقطة إثارة إضافية
هناك جانب آخر يغيب عن كثير من الروايات المتداولة، وهو أن الرئيس إبراهيم تراوري كان، منذ فترة، يخوض مواجهة مفتوحة مع التنظيمات الإرهابية في بوركينا فاسو، وفي مقدمتها تنظيم داعش – ولاية الساحل، وتنظيم القاعدة. وفي إطار هذه المواجهة، اتجه إلى تعزيز علاقاته بعدد من الأئمة والمشايخ الصوفية داخل البلاد وخارجها، انطلاقًا من كونهم تيارًا دينيًا لا يقوم على فكرة التكفير.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، ينبغي التأكيد على أن الشيخ الذي اعتُقل، الدكتور محمد إسحاق كندو، يُعرف داخل الأوساط السلفية بأنه من المشايخ المتسامحين في تعامله مع الصوفية وغيرهم، هو شيخ مهذب وعقلاني إلى حدٍ كبير، إنما افتقر إلى الدبلوماسية في خطابه الديني الذي انتهى بتشبيه رئيس الدولة بـ أبي جهل، كما أنّ السلطة في بوركينا فاسو نفسها افتقرت إلى الكياسة السياسية في التعامل مع ملف الشيخ، فعلى عكس اعتقاده كان يمكن للشيخ كندو أن يكون أكبر عونٍ له ضد الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تقتل المسلمين يوميًا. غير أن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الشيخ وأنصاره كانوا قد فتحوا باب الهجوم العلني على الرئيس إبراهيم تراوري، مع أن الأدبيات السلفية التقليدية تقر أن الخروج على الحاكم أو مهاجمته علنًا أمر غير جائز، وأن النصيحة، إن وجبت، تكون سرًا لا جهرًا. ومع ذلك، وقع الهجوم العلني، ثم خرج أنصاره في مظاهرات عقب اعتقاله.
وعلى أية حال، فهذه هي الوقائع كما جرت. وكثير ممن يرددون اليوم أن إبراهيم تراوري هاجم الإسلام يدركون، في قرارة أنفسهم، أن هذه الرواية لا تقوم على الحقيقة بقدر ما تقوم على التضليل ضد رئيس اختلف معهم، أو تطرّق إلى تاريخ حسّاس يمس الحضارة الإسلامية التي نتشاركها جميعًا حلوها ومرّها.
ويكفي أن تتابع المشهد داخل بوركينا فاسو، منذ تصريحات الرئيس إبراهيم تراوري وما صاحبها من لغطٍ أفريقي لتجدَ أن عددًا من كبار مشايخ الطرق الصوفية لا يزالون يقفون إلى جانب الرئيس إبراهيم تراوري، ودافعوا عنه، وأعلنوا دعمهم له في مواجهة الحملات التي يقودها أنصار الشيخ كندو وبعض من يرفعون الشعارات الإسلامية، وذلك لأن الرجل، في نظرهم، لم يفعل سوى أنه تطرق إلى قضية تاريخية مشتركة، مع بعض المآخذ البسيطة على جانب من كلامه بشأن طلاب الدراسات الشرعية. وفي المقال القادم، سأتناول بالتفصيل التنظيمات الإرهابية التي يحاربها إبراهيم تراوري، وأيديولوجياتها التكفيرية التي تُبيح دماء المسلمين، لفهم جانب آخر من هذا المشهد.
وقد بدا لي – ولكلّ متابع منصف- من سياق ربط الرئيس إبراهيم تراوري- الدراسات الشرعية بالتطرف أنه كان ينتقد أنماطًا تعليمية بعينها، لكن كلامه، بصيغته العامة، ظل قابلًا للتأويل الواسع، وكان الأجدر به أن يحدد المؤسسات أو المناهج التي يقصدها بدل إطلاق حكم قد يشمل طلابًا لا صلة لهم بالتطرف.
إذن في النتيجة؛ يتضح لنا الآن، بعد استعراض الوقائع، أن التغطية الإعلامية الأخيرة للرئيس إبراهيم تراوري، وما رافقها من تصريحات حول طلاب الشريعة وتاريخ استعباد العرب للأفارقة، جاءت في سياق سجال داخلي مرتبط بالأزمة بين حكومته وزعيم التيار السلفي في بوركينا فاسو. فمن تابع المداخلة كاملة يدرك أن حديثه كان ردًا على تلك القضية، وقد أشار هو نفس أن الشيخ الدكتور محمد إسحاق كندو شبّهه بأبي جهل على خلفية مشروع قانون يتعلق بتنظيم العبادات، حسب قوله. ومن ثم، فإن محاولة إقحام مؤامرة خارجية، والزج بالصهيونية، وسائر أساليب التدليس التي رافقت هذه الرواية، ليست سوى كذبة مختلقة.
وفي الختام، أؤكد أن من حق أي إنسان أن ينتقد ما قاله الرئيس إبراهيم تراوري، وأن يناقشه فيما طرحه بشأن تاريخ الحضارة الإسلامية، كما أن من حق علماء ومشايخ العالم الإسلامي أن يزوروه ويتحاوروا معه، ويتبادلوا معه الرأي حول هذه القضايا. أما أن يتحول الخلاف حول قراءة تاريخية إلى اتهامات بالهجوم على الإسلام، أو إلى أحكام بالردة والكفر، مع اجتزاء الوقائع، وقلب التواريخ والتسلسل الزمني، وإخراج الصور والأحداث من سياقاتها، فذلك أمر يفرض سؤالًا صريحًا: هل هذه هي الأخلاق التي يدعونا إليها ديننا، والتي نتغنى – للديانات الأخرى- بأنها تمثل أسمى منظومة للقيم؟
إذا كانت هذه طرق بعضنا في التعاطي مع الوقائع وتحريفها، أين إذن؛ الفرق بيننا وبين فرنسا، أمريكا، بل حتى إسرائي!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى