تقارير وتحقيقات

لغز الرهان الأمريكي الإسرائيلي على أحمدي نجاد في “تغيير” إيران

كتب:هاني الكنيسي
مبدئيًا، أعترف بأنني قرأت التقرير “العجيب” في ‘نيويورك تايمز’ أكثر من مرة محاولًا استيعاب “الهدف” من توقيت نشره .. ولم أصل لاستنتاج محدد أو منطقي.
هل أرادت الصحيفة الأمريكية المرموقة التضحية برقبة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (بالعامية المصرية “تسلّمه تسليم أهالي”)؟ أم أن الهدف إلهاب حماسة مجموعة معينة من المعارضة الداخلية في قلب المنظومة المهيمنة على الجمهورية الإسلامية للالتفاف حول الرجل وربما للحذو حذوه؟ وماذا سيكون رد فعل الحرس الثوري الحديدي -في هذه الظروف الخانقة- على ما ورد في هذا التقرير، حتى لو كان في إطار “مزاعم” يصعب التحقق منها؟!!
أسئلة عديدة حاصرت ذهني الذي لا يحتمل، وأنا أطالع تقرير ‘نيويورك تايمز’ تحت العنوان المثير: Early war goal was to install hard line former President as Iran’s Leader A
وترجمته الحرفية: ” كان الهدف المبكر للحرب تنصيب الرئيس السابق المتشدد زعيماً لإيران”.
ويسهب التقرير (أو بالأحرى التسريب) في شرح كيف أن الضربة الإسرائيلية الأولى خلال الحرب على إيران استهدفت منزل أحمدي نجاد في حي ‘نارمك’ شرقي طهران، بهدف “إخراجه من الإقامة الجبرية المفروضة عليه”، ضمن خطة أوسع سعت إلى الدفع بشخصية من داخل النظام لتولي السلطة بعد الضربات التي استهدفت رأس الهرم الإيراني.
وفي التفاصيل، أن واشنطن وتل أبيب ناقشتا بالفعل سيناريوهات تتعلق بإمكانية الاستفادة من الرئيس الإيراني الأسبق في ترتيبات سياسية داخلية محتملة، وأن اسمه طُرح باعتباره شخصية تمتلك قدرة على إدارة المشهد السياسي والاجتماعي وحتى الأمني في لحظة اضطراب حاد.
معقول هذا الكلام؟! الزعيم الطلابي سابقًا (يقال إنه كان أحد من شاركوا في محاصرة الرهائن داخل السفارة الأمريكية عقب ثورة الخميني 1979) الذي ارتبط اسمه لسنوات بخطاب شعبوي حاد ضد الشيطان الأكبر أميركا وابنته الإبليسية إسرائيل، والذي تحوّل خلال فترة حكمه إلى أحد أكثر الوجوه الإيرانية استفزازًا للغرب، وفي عهده نشط البرنامج النووي وارتفع تخصيب اليورانيوم وتسبب في عقوبات غربية قاسية .. هل يمكن أن يصبح اسمًا مطروحًا في سيناريوهات “اليوم التالي” في طهران؟!!!!
وهنا قد يكون الرد: أحمدي نجاد لم يعد ـ منذ سنوات- “من رجال النظام”، بعد أن دخل في صدامات مفتوحة مع مراكز القوة التقليدية، بدءًا من المؤسسة الدينية المحافظة (وعلى رأسها المرشد الراحل علي خامنئي)، وصولًا إلى الحرس الثوري والدوائر الأمنية النافذة. بل إن العديد من التقارير الإعلامية وصفته بأنه تحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه “المتمرّد الداخلي”، حين اتهم مسؤولين كبارًا بالفساد، وهاجم بنية السلطة، ورفض قرارات صادرة عن مؤسسات عليا، كما جرى استبعاده من خوض الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة، قبل أن ينتهي إلى نوع من “العزل السياسي والإقامة الجبرية غير المعلنة”.
وفي المقابل، فإن الرئيس الكاريزمي الأسبق في نظر بعض دوائر القرار الغربية والإسرائيلية، قد يبدو شخصية تحمل ميزتين نادرتين في الالتحام معًا: الشرعية الثورية من داخل النظام، والخصومة المتصاعدة مع النظام نفسه.
واشنطن وتل أبيب تدركان أن أي محاولة لتغيير النظام الإيراني عبر شخصية معارضة تقليدية تعيش في الخارج (مثل نجل الشاه المحتار في نفسه) ستواجه تحديًا يتعلق بالشرعية الداخلية.
والمعارضة الإيرانية المنفية -رغم نشاطها الإعلامي والسياسي- لا تمتلك قاعدة صلبة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، ولا على مستوى الشارع المحافظ، ولا داخل البنية الأمنية والعسكرية المعقدة للجمهورية الإسلامية (وهو الأهم).
أما أحمدي نجاد الذي تولى رئاسة الجمهورية لفترتين متعاقبتين (2005- 2013)، فرغم تراجع نفوذه، فإنه يظل “ابن النظام” الذي يعرف مفاصله الحساسة. خدم في قلب المؤسسة، وله علاقات قديمة داخل الأجهزة البيروقراطية والأمنية، كما يحتفظ بصورة “الشعبوي القريب من الطبقات الفقيرة” لدى قطاعات من الإيرانيين، خصوصًا خارج نخب “المدينة” الطبقية.
من هذه الزاوية، قد يبدو نجاد ــ نظريًا ــ خيارًا انتقاليًا أقل كلفة من مشروع إسقاط كامل للدولة الإيرانية. هذا فضلًا عن براعته الاستثنائية في مخاطبة “الحس القومي الإيراني”. فالرجل، رغم خطابه الديني الصدامي، لم يكن مجرد ممثل للتيار العقائدي المحافظ، بل أتقن اللعب على وتر القومية الإيرانية والشعبوية الاجتماعية، وهي عناصر بالغة التأثير في مجتمع أنهكته العقوبات والصراعات الداخلية.
وفي لحظات الانهيار أو الفوضى، تميل القوى الدولية غالبًا إلى البحث عن شخصيات قادرة على منع التفكك الكامل للدولة، لا مجرد إسقاط السلطة القائمة.
لكن الرهان الأمريكي الإسرائيلي هنا لا يعني بالضرورة أن الحليفتين “تثقان” بأحمدي نجاد أو تتفقان مع توجهاته، بل ربما العكس تمامًا.
فالسياسة الأمريكية لطالما تعاملت ببراغماتية قصوى مع شخصيات كانت تُصنف سابقًا كأعداء، عندما تفرض “اللحظة الاستراتيجية” عليها التحول -والتاريخ حافل بأمثلة علاقة واشنطن “المتحوّلة” بالرئيس السوري أحمد الشرع (الجولاني سابقًا)، وصدام حسين، وغوباتشوف .. إلخ. كما أن الـ’سي آي إيه’ (ومعها الموساد) تؤمن بالقاعدة الاستخباراتية القديمة التي تقول: “أفضل من يغيّر النظام، شخص خرج من قلبه”.
إضافة إلى ذلك، فإن أحمدي نجاد ليس محسوبًا بالكامل على المعسكر الإصلاحي، ولا على المعارضة الليبرالية، ولا حتى على التيار المحافظ التقليدي. إنه أقرب إلى “لاعب منفلت” في الملعب الإيراني، ولذلك تعتبره أطراف “خارجية” شخصية قابلة لـ”إعادة التموضع سياسيًا “.
ورغم كل ذلك، فإن الرهان على أحمدي نجاد يحمل تناقضات جوهرية تجعل هذا التصور أقرب إلى “الفانتازيا” أو المغامرة غير محسوبة العواقب. فالرجل الذي أكمل عامه السبعين، وبغض النظر عن خلافاته مع النظام، لا يزال جزءًا من البنية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. وخطابه السياسي لم يتحول يومًا إلى خطاب تصالحي مع الغرب أو إسرائيل، بل بقي محمّلًا بنبرة عدائية واضحة.
وهذا ما دفع بعض المسؤولين الأمريكيين أنفسهم ــ بحسب ‘نيويورك تايمز’ ــ لإبداء “شكوك كبيرة” حيال جدوى إعادة أحمدي نجاد إلى المشهد، معتبرين أن الفكرة محفوفة بالمخاطر وغير قابلة للتنفيذ عمليًا.
أما الإسرائيليون، فكان تعليقهم على الموضوع “شديد الخبث” (كما هي العادة التي تفرضها الجينات). إذ اعتبر المحلل السياسي ‘عاموس يادلين’ أن نجاد “كان صاخبًا في الخطاب، محدودًا في الفعل”، مذكرًا بأن إسرائيل لم تتعرض لهجمات مباشرة من إيران خلال رئاسته، وأن معظم عمليات أذرع إيران الخارجية (في سوريا ولبنان) “كانت تُدار من الحرس الثوري، لا من مكتب الرئيس”.
وفي النهاية، سواء صحت تسريبات ‘نيويورك تايمز’ عن خطة “تحرير” أحمدي نجاد من أسره أم كانت “تضليلًا متعمدًا”، فإن مجرد تداول اسم قيادي ثوري بهذا المستوى داخل نقاشات أمريكية ـ إسرائيلية حول سيناريوهات “اليوم التالي” في إيران. يكشف مدى “الجموح” أو ربما حجم “التحول” في طريقة تفكير الثنائي “الشيطاني”.
وكان الله في عون محمود أحمدي نجاد -ومن والاه- هذه الأيام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى