
كتب:هاني الكنيسي
التوافق الملحوظ في التصريحات و”الكيمياء البشرية” الواضحة في لغة جسد الرئيسين؛ الصيني ‘شي جنبنغ’ والروسي ‘فلاديمير بوتين’ أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك، كان لافتًا في رمزية المقارنة مع إشارات الارتباك وربما “خيبة الأمل” التي وسمت القمة الصينية الأمريكية، قبل أسبوع واحد .. وعلى نفس السجادة الحمراء التي فرشتها بكين لكلا الزعيمين اللذين كانا يومًا يمثّلان قطبي العالم وقوتيْه العظميين – قبل أن يجور عليهما زمن التقلبات، وتتسلل الصين إلى موقع القمة.
كان لافتًا أيضا أن الزعيمين الصيني والروسي انتقدا سويًا خطط الرئيس البرتقالي بشأن “القبة الذهبية” التي ستتكلّف أكثر من تريليون دولار كدرع دفاعي صاروخي (على غرار قبة إسرائيل الحديدية)، واتفاقهما أمام الملأ على أن واشنطن أخطأت عندما تخلت عن معاهدة ‘نيو ستارت’ للحد من الأسلحة النووية، وعلى أن ترمب أساء التقدير عندما شن الحرب على إيران ويخطئ مجدداً بالتفكير في استئنافها بينما الملاحة محاصرة في هرمز وأسواق الطاقة العالمية في أزمة غير مسبوقة.
أسباب خصوصية العلاقة الروسية الصينية في هذه المرحلة التاريخية، بلورتها مجلة ‘نيوز ويك’ الأمريكية في افتتاحية طويلة عريضة بعنوان “بوتين يحتاج مساعدة من الصين في ثلاثة أمور”، ملخصها أن زيارة الرئيس الروسي إلى بكين التي تظللها حاجة موسكو المتزايدة إلى دعم شريكتها الاستراتيجية الأقوى،نتيجة استنزاف مواردها (الاقتصادية والعسكرية) في الحرب الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
أولها اقتصادي بحت، بتعزيز التبادل التجاري مع بكين الذي بلغ معدلات قياسية مع استئثار الصين بأكثر من ربع إجمالي الصادرات الروسية في العام الأخير، وفي ضوء اعتماد متزايد بينهما على العملات المحلية (اليوان والروبل) بدلاً من الدولار الأمريكي “الإمبريالي”.
وثانيها استراتيجي، بتأمين تدفقات الطاقة عبر مشاريع كبرى على رأسها خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” لإمدادات الغاز من حقول الغاز الروسية في القطب الشمالي عبر منغوليا إلى الصين، تزامنًا مع حقيقة أن بكين أصبحت أكبر مشترٍ للطاقة الروسية (الغاز والنفط والوقود الأحفوري) الخاضعة للعقوبات الغربية.
وثالث الأهداف سياسي، بتعزيز الغطاء الدبلوماسي لموسكو في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية والعزلة الدولية المفروضة عليها، وكذلك بتوفير “شرعية رمزية” للرئيس بوتين شخصيًا الملاحق بمذكرات توقيف دولية تقيّد حركته خارج حدود بلاده فتستقبله بكين استقبال العظماء.
أما تحولات العلاقة الأمريكية الصينية في هذا المنعطف التاريخي، فيشرحها بعبقرية المفكر السياسي الشهير ‘فرانسيس فوكوياما’، أحد أبرز منظّري الديمقراطية الليبرالية وصاحب أطروحة “نهاية التاريخ”، تحت عنوان انتقاه بعناية للتعبير عن رؤيته: “ما يعرفه شي جينبينغ ولا يعرفه ترمب – في رثاء ديمقراطية كانت عظيمة”.
استهل المنظرّ الأمريكي (الياباني الأصل) -الذي يعمل حاليا بجامعة ‘ستانفورد’ العريقة- مقاله بعبارة كاشفة: “كان من المؤلم والمُهين متابعة التغطية الإعلامية لزيارة ترمب الأخيرة إلى بكين، لأنها أظهرت بوضوح تراجع أميركا كقوة عظمى مقارنةً بالصين”.
وفي مسوّغات رؤيته النقدية، يوضح ‘فوكوياما’ أن لقاءات ‘شي جنبنغ’ مع ترمب قدّمت صورة “مقلقة” عن وضع الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وعكست “اختلالًا واضحًا في موازين القوة”، إذ حضر ترمب القمة من موقع “ضعف داخلي” بفعل التضخم وتراجع الشعبية، ساعيًا للحصول على دعم صيني في ملفات معقدة، ليس أهونها حرب إيران. بينما ظهر ‘شي جنبنغ’ واثق الخطوة يمشي ملكاً، بعدما استطاع بحكمته “إجبار واشنطن على التراجع في نزالات الحرب التجارية” التي أشعلها ترمب بحماقته وغروره، “مستفيداً من قوة صادرات الصين وصلابة اقتصادها”.
المشهد “البروتوكولي” كان أكثر دلالة، كما يصفه ‘فوكوياما’، قائلاً: “لم يستقبل ‘شي جنبننغ’ نظيره الأمريكي في المطار، وجلس قبالته في وضعية أظهرت تفاوتًا رمزيًا في المكانة”. ثم يضيف: بالغ ترمب في الإطراء، واصفًا الزعيم الصيني بأنه “قائد عظيم” و”صديق حقيقي” و”شخص مثالي”، ولم يبادله ‘شي’ الرزين أي إطراء “شخصي”.
وعلى مستوى النتائج، يرى ‘فوكوياما’ أن الزيارة لم تُسفر عن مكاسب تُذكر، باستثناء اتفاقيتين محدودتين لفتح الأسواق، وصفقات “واهية”، مثل وعود بشراء 200 طائرة ‘بوينغ’ واستيراد منتجات زراعية أمريكية بقيمة 17 مليار دولار، “دون التزام صيني واضح أو جدول زمني معلن للتنفيذ”. ورغم ذلك، وصف البيت الأبيض القمة بأنها كانت “ناجحة للغاية” واستعار “لغة” سيده البرتقالي بترديد عبارات “دعائية” من نوعية “أبرمنا صفقات تجارية رائعة”!!
وفي ملف تايوان الذي يصفه بأكثر نقاط القمة حساسية، يشير ‘فوكوياما’ إلى أن ترمب عرقل حزمة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار كانت مخصصة للجزيرة التي لا تعترف الصين باستقلالها، وتعامل معها كـ”ورقة تفاوضية” لتحقيق مكاسب “تجارية”، بل وتساءل مستخفًا: “هل نسافر 9500 ميل لخوض حرب؟”.
في المقابل، كان الرئيس الصيني “حازماً” في تشديده على أن “مستقبل العلاقات الثنائية مرهون بموقف واشنطن من تايوان”، ملوحًا بضرورة أن تكون أميركا والصين “شريكتين لا خصمين”. وهنا يقارن ‘فوكوياما’ بين “ميوعة” موقف ترمب ووضوح التعهدات الأمريكية السابقة في “الالتزام الأمني” الصريح تجاه تايوان.
وفي المنظور الأوسع، يرى أستاذ العلوم السياسية أن القمة الأخيرة أثبتت أن ترمب “سياسي لا يرى العالم إلا من زاوية المصلحة الشخصية”، مدللاً علي ذلك بردوده على إشارات نظيره الصيني بشأن “فخ ثوسيديدس” والتي عكست “سوء فهم عميقًا للتحولات الجارية”. فيقول: “بينما فسّر ترمب حديث ‘شي’ على أنه إقرار بتراجع أمريكا في عهد ‘جو بايدن’، كان العكس تمامًا هو ما قصده الحكيم الصيني”.
وينتقل ‘فوكوياما’ في تحليله العميق إلى عزو “تراجع أميركا كقوة عظمى” إلى صعود ترمب للسلطة منذ عام 2016 والذي يرى أنه أضعف الداخل الأمريكي وقوض تحالفات واشنطن الخارجية، فيقول: “سياسات الاستقطاب الداخلي، وتقليص دعم البحث العلمي، والانغماس في صراعات خارجية مُكلفة، إلى جانب إضعاف شبكة الحلفاء التقليديين عبر فرض رسوم جمركية على أوروبا وتهديد حلف الناتو، أسهمت جميعها في تقويض أركان القوة الأمريكية”. ويقارن ذلك باستفادة الصين “المتفرجة في صمت” على هذا التخبط دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة، في ظل ما يصفه بـ”التدمير الذاتي” الأمريكي.
ثم يختم ‘فوكوياما’ مقاله بخلاصة معبّرة عن نظريته في تحميل ترمب مسؤولية الهبوط بالولايات المتحدة من موقع القمة العالمية، بنبرة لا تخلو من مرارة، فيقول: “لقد باتت صورة أميركا اليوم، في نظر الأصدقاء والخصوم على حد سواء، أقرب إلى دولة مارقة تُسهم في عدم الاستقرار العالمي، خلافًا لادعاءات ترمب وأوهامه بأنها في أوج قوتها وتحظى باحترام غير مسبوق”.