د. أيسر بني ضمره يكتب:كيف خرجت طهران منتصرة سياسيا من تسوية الساعات الأخيرة إذا كان ماتم تسريبه صحيحا ؟؟؟

شهدت العواصم الدولية هذا الأسبوع واحداً من أكبر الاختراقات الدبلوماسية في القرن الحالي فبينما كانت الطائرات والمدمرات الأمريكية تطبق حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية وتنذر بمواجهة عسكرية شاملة . خرجت من ركام التصعيد مسودة اتفاق مبدئي من تسعة بنود لتضع حداً للحرب بالوكالة وتهبط بأسعار النفط العالمية إلى ما دون الـ 96 دولاراً للبرميل.
لكن القراءة المتأنية في تفاصيل وموازين القوى خلف كواليس هذه التسوية تفضي إلى حقيقة موضوعية واحدة أن إيران أدارت المعركة بروح “لاعب الشطرنج” وخرجت من هذه الجولة كالمنتصر الأكبر.
الصواريخ خارج المعادلة
إن أول مؤشرات الانتصار التكتيكي لطهران يكمن في ما لم يكتب في الاتفاق. نجحت الدبلوماسية الإيرانية نجاحاً باهراً في عزل ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة عن طاولة المفاوضات. في العقيدة الأمنية الإيرانية تمثل هذه الصواريخ سلاح الردع الوجودي البديل لسلاح الجو التقليدي وتفكيكها يعني الانتحار العسكري.
بانتزاعها اتفاقاً يقفز فوق هذه القدرات الصاروخية حافظت طهران على مخالبها العسكرية الضاربة كاملة ولم تمنح واشنطن سوى تعهدات بعدم الاستخدام ضد المنشآت وهي تعهدات يمكن مراجعتها ميدانياً في أي لحظة.
الاستسلام المستحيل
لم يكن التشدد الأمريكي في المفاوضات نابعاً من فراغ، بل من إدراك واشنطن لمعضلة “التحصين الجبلي”. فمنشآت مثل “فوردو” القابعة تحت أعماق الجبال الشاهقة صُممت لتكون عصية على أعتى القنابل الأمريكية الخارقة للمخابئ. وهنا تجلّت الخطة الاحتياطية الإيرانية ..
فطهران لم تقبل بتدمير بنيتها التحتية بل تراجعت خطوة للوراء عبر القبول بترقيق وتخفيض نسب تخصيب اليورانيوم بدلاً من ترحيله أو شحنه للخارج.
هذه الصيغة الذكية تعني شيئاً واحداً في علم الاستراتيجية العسكرية “المعرفة لا تفنى”.
فالآلات يمكن مراقبتها واليورانيوم يمكن ترقيقه تحت الإشراف الدولي المشدد .. لكن الخبرة التكنولوجية التي اكتسبها العلماء الإيرانيون تظل حية ومحفوظة في الأنفاق السرية مما يمنح طهران القدرة على الاندفاعة النووية الخاطفة وإعادة بناء مخزونها خلال أسابيع معدودة إذا ما قررت الإدارات الأمريكية القادمة النكوص بالعهود.
اما بخصوص مضيق هرمز فان عبور القوافل لايعني فقدان السيطرة على المضيق فقد مكنت ايران قوتها في المضيق وستكون هناك ادارة للمضيق مع دولة عمان .. فالمضيق يعتبر بذات قوة اليورانيوم ولا يمكن ان يكون قبل الحرب فهناك ستكون اتفاقات ويكون هناك فرض رسوم ولكن تحت مسميات حفظ وأمن المضيق بيئيا وصيانه ومساعده ونوعية البضائع سيتم تنظيمها في المفاوضات خلال المدة المضروبه …
حسابات البراغماتية الأمريكية
على الجانب الآخر اندفعت واشنطن نحو هذا الاتفاق مدفوعة بحسابات براغماتية بحتة وعوامل ضغط داخلية واقتصادية. كانت الإدارة الأمريكية بحاجة ماسة لتهدئة أسواق الطاقة العالمية وتأمين ممرات الملاحة في مضيق هرمز وإيجاد مخرج سياسي يجنبها الانزلاق في حرب استنزاف برية واسعة النطاق في الشرق الأوسط. هذا الاحتياج الأمريكي استغلته طهران بذكاء ..فقدمت تنازلات مؤقتة وقابلة للتراجع في الشق النووي والملاحي مقابل مكاسب فورية ومستدامة تتمثل في الرفع التدريجي للعقوبات، وضخ النفط بشكل قانوني واستعادة المليارات المجمدة لإنعاش اقتصادها المتأزم.
الخلاصة
سلام مؤقت لواقع دائم
في المحصلة أثبتت إيران مجدداً أنها تمتلك نفساً استراتيجياً طويلاً وقدرة فائقة على إدارة دبلوماسية الظلال فقد صمدت أمام أقصى درجات الضغط الاقتصادي والعسكري ولم تساوم على أوراق قوتها الحقيقية المدفونة تحت عمق الجبال أو المتمثلة في ترسانتها الصاروخية.
هذا الاتفاق لا يمثل تفكيكاً للمشروع الإيراني بل هو هدنة المحارب الذكي الذي انحنى للعاصفة الاقتصادية ليفك الحصار عن شعبه مع الاحتفاظ بكافة عناصر قوته وسريته التي لا يعلمها إلا الله ليظل رقماً صعباً وفارضاً لشروطه على خريطة الشرق الأوسط الجديد.