
أنت الآن تقف على مشارف واحدةٍ من أعظم مدن الأرض في زمانها .. لكن لا ترى القباب والأسواق ، ولا تسمع ضجيج التجارة والحياة.
كل ما حولك سحابة سوداء تحجب الشمس ، ورائحة موتٍ تخنق الأنفاس ، ونيرانٌ تلتهم مدينةً كاملة بلا رحمة.
هذه ليست قصة غزوٍ مغولي ، ولا إجتياحٍ صليبي .. بل قصة مدينةٍ أحرقها حاكمها بنفسه.
إنها مأساة (الفسطاط) .. العاصمة العتيقة لمصر ، التي ظلت تحترق 54 يومًا متواصلة ، لأن رجلًا واحدًا رفض أن يخسر كرسي السلطة.
في أواخر الدولة الفاطمية ، كانت الخلافة قد دخلت مرحلة الإنهيار الكامل .. الخليفة مجرد إسم ، والسلطة الحقيقية أصبحت في يد الوزراء وقادة الجيش.
وسط هذا الفراغ المرعب ، برز رجلان يتصارعان على الحكم: “شاور بن مجير السعدي” و “ضرغام بن عامر” .. طموح بلا حدود ، وصراعٌ بلا أخلاق.
نجح “ضرغام” في الإطاحة بـ “شاور” والسيطرة على الوزارة ، لكن “شاور” لم يقبل السقوط .. هرب إلى الشام، وطلب العون من السلطان “نور الدين زنكي” ، واعدًا إياه بثلث خراج مصر إن أعاده إلى الحكم.
فأرسل “نور الدين” جيشًا بقيادة “أسد الدين شيركوه” ، ومعه ابن أخيه الشاب الذي سيصبح لاحقًا أحد أعظم قادة الإسلام .. “صلاح الدين الأيوبي”.
لكن الكارثة لم تبدأ بعد ..
“ضرغام” ، خوفًا من سقوطه ، فتح أبواب مصر للصليبيين أنفسهم ، واستنجد بملك القدس الصليبي “عموري”.
ثم انقلب “شاور” لاحقًا وتحالف هو أيضًا مع الصليبيين ضد “شيركوه”.
وهكذا .. بسبب صراع شخصي على كرسي الوزارة ، تحولت مصر إلى ساحة حرب بين المسلمين والصليبيين ، ودُفعت البلاد كلها ثمن جنون رجلين.
ثم جاءت اللحظة الأكثر رعبًا في القصة ، حين شعر “شاور” أن الصليبيين على وشك دخول (القاهرة) وانتزاع الحكم منه ، اتخذ قراره الكارثي .. إحراق (الفسطاط) بالكامل.
أمر الناس بإخلاء المدينة فورًا ، ثم أطلق النيران في البيوت والأسواق والمساجد والمخازن باستخدام آلاف المشاعل وقناطير النفط .. مدينةٌ كاملة تحولت إلى جحيم.
النيران استمرت 54 يومًا بلا توقف ، حتى صارت (الفسطاط) ، التي كانت قلب مصر التجاري والحضاري ، مجرد رمادٍ ودخان.
المؤرخون وصفوا المشهد بأنه من أبشع الكوارث التي شهدتها مصر في تاريخها الإسلامي ، لكن الأخطر من الحريق نفسه .. هو العقلية التي صنعته.
في علم النفس السياسي ، هناك ما يشبه هذا السلوك فيما يُعرف بـ (عقدة شمشون): «إذا سقطتُ .. فليسقط الجميع معي».
لهذا لم يتردد “شاور” في إحراق عاصمةٍ كاملة ، فقط كي لا يراها في يد خصمه ، كان مستعدًا أن يحكم الرماد ، ولا يقبل أن يعيش مهزومًا.
لكن النهاية جاءت قاسية على الجميع .. “ضرغام” قُتل ودِيس وجهه بالخيل ، و “شاور” أُعدم ، وانتهت الدولة الفاطمية نفسها بعد سنوات قليلة ، ليبدأ عصرٌ جديد بقيادة “صلاح الدين الأيوبي”.
أما (الفسطاط) .. فقد بقيت شاهدةً على حقيقة مرعبة تتكرر كثيرًا في التاريخ:
حين تصبح السلطة أغلى من الوطن ، يتحول الحكام إلى كوارث .. أخطر من الغزاة أنفسهم.
📚 المصادر:
– النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة — المقريزي
– الكامل في التاريخ — ابن الأثير
– الروضتين في أخبار الدولتين — أبو شامة المقدسي