
ليس هو عنوان فيلم بازوليني ” “سالو، أو “120 يوماً من سدوم” مثقف وروائي وشاعر ومخرج يساري فضح المافيا والفساد وقُتل عام 1975 وضاع دمه بين الفاشيين والمافيا ووجدت جثته في أرض للنفايات تعكس عمق الحقد والكراهية وتاريخ الأنذال واحد في كل مكان وزمان.
لم يعد العراقي يعتبر من يسرق الملايين لصاً بل انتقل في فترة الى المليار ثم وصلنا الى الترليون وحسب هذه المقاييس الجديدة المشوهة فسارق المليون لا يوضع في حقل الحيتان الكبيرة وهو مفهوم جديد، حسب المنطق نفسه لا يعتبر من اغتال شخصاً مجرماً كبيراً وفي نظام المقارنة الجديد سيأتي من يقول لك هناك من قتل المئات. اذن نحن أمام أرقام وليس أمام مبادئ.
هل من معنى اليوم لمفاهيم مثل حداثة وثورة فكرية وتأمل ومراجعة وتجديد الخطاب بين الانقاض؟ مثل هذه المفاهيم تشبه خطاب الصوفي
في حفل للعراة أو موعظة راهب بوجهه الحقيقي في حفل تنكري بالأقنعة.
قبل الاحتلال وبعد حروب كان من المتوقع ظهور جيل ثقافي أدبي فكري تمردي،
كما حدث في بريطانيا الذي جسدته مسرحية جون أزبورن:
” إنظر للوراء بغضب”،
وكما حدث في الولايات المتحدة في جيل” البيت Beat Generation” الأمريكي
الذي هز القناعات والافكار والتقاليد السائدة في الشعر والرواية وتمرد على قيم الرأسمالية والحرب العالمية الثانية،
واشهر رواد جيل البيت كان كلاً من ألن غينسبرغ، ووليام بوروز، وجاك كيروك والنواة المؤسسة هم هربرت هونكي وغينسبيرج وبوروز ولوسيان كار وكيرواك
في اجتماع عام 1944 قرب جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك،
ثم التقت حركة البيّت الموسعة مع الهيبيز وثقافة الستينات المضادة.
” نيل كاسادي، والذي عمل كسائق لحافلة كين كيسي، كان الجسر الرئيسي بين هذين الجيلين”،
في حين ولد عندنا جيل الخمط والقفاصة وكازينو القمار والروليت وتجار الرقيق والمفخخ واللص والسطاي والخ من قاموس لغة زمن مشوه بعد حروب وحصار واحتلال وارهاب،
وممثل هذا الجيل حمزة الشمري صاحب نوادي القمار والسمسرة وغسل الاموال وطياح الحظ واتباعه من مافيات تفتقر لاخلاقيات المافيات العالمية
لأنها خليط من السرسرة والوحشية والتخلف والبدائية الفجة.
كان من العام الاول للاحتلال العراق ينحدر الى الهاوية وكل علامات الانحدار واضحة ثم مع الصمت والتغليس والتساهل تحولت هذه الظواهر الى مؤسسات من المستحيل السيطرة عليها لانها متشابكة ومعقدة ومترابطة.
صالات الروليت في فنادق بغداد الكبرى هي الأكثر تعقيداً وخطراً من المافيا الإيطالية المحترفة التي لا تحتاج الى تبجح واستعراض بأعمال عدوانية لتاريخها الطويل،
عكس المافيا العراقية الخليط من أولاد شوارع وأنذال وشقاوات بلا أي تعليم أو ثقافة. كانت المافيا الكولومبية تقرأ لغابريل ماركيز بل يقوم في حالات باعمال وساطة لاطلاق سراح مخطوفين.
فندق الشيراتون في شارع السعدون أول من فتح صالة قمار روليت في بغداد، وقد وصل عدد الصالات قبل اعوام الى أكثر من ثلاثين صالة في منطقة الكرادة والفنادق الكبرى كعشتار والمنصور وفلسطين وبغداد،
وانتشر الى فنادق الدرجة الثانية والثالثة،
وتحولت بعض تلك الصالات الى أماكن لغسل الأموال والدعارة والمخدرات وظهور موجة غريبة من العرابين وزعماء
المافيا. فلماذا الدهشة كل مرة من القبض على لص جديد من فصيلة الحيتان؟
من غير الفنادق المذكورة هناك أخرى ، فندق سبع ، إيدال، فندق البجعة في الرصافة وصالة واحدة في جانب الكرخ هي صالة القبة.
بعض تلك الصالات تدار من عراقيين مثل حمزة الشمري العراب،
وحسين الزهاوي الذي يدير صالة عشتار، وصالة فندق بغداد ويديرها داوود شمخي خدر وفي الواقع تديرها شركة جبال الوديان بالتعاون مع أتراك،
أما صالة فندق منصور فتديرها فياكتار المسؤولة عن صالات:
المرديان والسحاب والنخيل،
ومدير هذه الصالات حمزة الشمري وحسين علي حسين،
وهذه الصالات تعمل تحت غطاء حكومي ومنظمات مسلحة ورجال سياسة،
وشبكة غسل أموال من بغداد الى تركيا وقبرص وأكرانيا ولبنان،
ومع القمار تهريب النفط والدعارة وتجارة الرقيق،
وهذه الصالات تتحول الى قوى ضغط سياسية وأمنية وتهدد النسيج الاجتماعي بتفسخ أوسع،
ونظراً للتداخل بين قادة سياسيين في النظام وعصابات مسلحة يصعب تعقب جذورها أو ملاحقتها،
وربما تتعرض تحت ضغط غضب الناس الى مداهمات شكلية لا تؤدي الى نتيجة.
من المستحيل ولادة هذه النماذج المشوهة من الفراغ لكنها كانت نائمة في سراديب نفسية ثم ظهرت اليوم الى العلن.
مقارنة المافيا العراقية بمافيا نابولي أو صقلية الايطالية كما في رواية” كومورا” للروائي الايطالي روبرتو سفيانو، تبدو مافيا كامورا ـــــــــ معناها الحماية ــــــــــــــــ أكثر تهذيباً ولطفاً وثقافة لأنها تساعد في بناء مستشفيات ومدارس ومؤسسات رعاية،
وعندما فضحها سافيانو قررت الانتقام منه لذلك قامت الدولة بوضعه في قبو سري بحماية لصيقة في كل مكان ومع ذلك قال في مقابلة انهم يستطيعون الوصل اليه في أي وقت ومنذ عام 2006 وحتى اليوم يعيش متخفياً.ـــــــ ووصف الروائي والفيلسوف أمبرتو إيكو مؤلف رواية” اسم الوردة” وصف سافيانو بأنه بطل قومي” لتحديه المافيا المتغلغلة في صميم النظام من الاعلام والقضاء وشركات الطيران وحتى تجارة الجثث والنفايات.
ــــــــــــــــ سدوم هي مدينة تاريخية قديمة ارتبطت في السياق الديني (التوراة والقرآن) بقوم النبي لوط الذين عاقبهم الله بسبب مفاسدهم وشذوذهم وخسفت بهم الأرض.