
سوف تحل بعد يومين ذكري حرب الخامس من يونيو عام ١٩٦٧، ولتستحضر الي ذاكرة المصريين ما جري في هذا اليوم المشهود او المشئوم من ايام تاريخهم من احداث عنيفة وصادمة ما زالت توجع لهم قلوبهم حتي الآن.. كما سوف تستدعي هذه الذكري الاليمة الي ذاكرة الاجيال التي عاصرت هذه الاحداث وعايشتها َقتها ، ما سبقها وقاد اليها..
لم يكن الرئيس عبدالناصر وحده في هذا كله حتي لا نختزل ما جري كله في شخصه لنحمله وحده بكامل المسئولية عنه ، حتي وان كان واحدا من ابرز الرموز الكبيرة في هذا الموقف الصعب والمعقد بكل المعايير.. فالمسرح العربي والاقليمي والدولي الذي جرت هذه الحرب في ظلاله ومهد الطريق امامها بما سبقها من احداث ، كان مسرحا حافلا بالشخصيات والادوار وبالخطط والمؤامرات والسيناريوهات التي لم تستهدف مصر عبد الناصر وحدها، وانما استهدفت العديد من دولها كذلك.. اعني في وقت كانت فيه الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والسوفيتي في ذروتها ، وعملية الاستقطاب الدولي الحاد بينهما تجري علي قدم وساق وكان الشرق الاوسط وفي القلب منه المنطقة العربية ، ومصر الناصرية بشكل خاص ، احد ابرز واهم ساحاتها وميادينها الكبيرة والخطيرة في العالم..
وهنا يمكنني ان اقول وعن اقتناع تام ، بان ما جري في الخامس من يونيو عام ١٩٦٧ كان بمثابة نقطة الذروة لكل هذا الذي كان يحدث وقتها سواء كان قريبا منا او بعيدا عنا ولم يدركه القائمون علي الامر في مصر علي حقيقته حتي يحتاطوا لانفسهم وليتجنبوا الوقوع في الفخاخ والشراك الخداعية التي نصبوها لهم تحت اقدامهم ، والتي كان لا بد في النهاية ان ينزلقوا اليها ويقعوا فيها.. وهو ما كان…
فالاتحاد السوفيتي تحت قيادة بريجنيف ومجموعته كان لهم دور تخطيطي وتحريضي وتصعيدي كبير في ما حدث وبتوريطهم لعبد الناصر في الدفاع عن سوريا بموجب التزام دفاعي تعاقدي رسمي قبل الحرب ببضعة شهور، وليضعوا به عبء الدفاع عن سوريا في مواجهة اسرائيل علي كاهله، وايعفوا انفسهم من هذا الالتزام حتي يتجنبوا الاصطدام بالولايات المتحدة في الشرق الاوسط حول اسرائيل اقوي شركاء امريكا الاقليميين في المنطقة.. ولنتذكر اننا نتحدث هنا عن قيادة سوفيتية مختلفة تماما عن قيادة خروشوف.. قيادة لم تكن تملك جراته التي يتحرك بها في العالم.. كانت قيادة بريجينيف تتحرك في مسارات دولية مختلفة باولويات واهداف غير تلك التي كان يتحرك بها خروشوف.. ولم تكن مشاعرهم لعبد الناصر بالقوة والايجابية التي كانت عليها في فترة الزعيم السوفيتي خروشوف.. والكلام هنا يطول.. لكنه يبقي مهما للغاية في فهم كل ما جري وقتها ولم يكن السوفيت بعيدين عنه من بدايته الي نهايته.. ويمكن ان يكون لنا فيما بعد عودة اليه..
اما بالنسبة لامريكا تحت قيادة الرئيس ليندون جونسون وقتها ، فكان لها موقفها العدائي للغاية من مصر ومن الرئيس عبد الناصر، وهو ما دفعها لان تمارس عليه اقصي ضغوطها الاقتصادية بقطع المعونة الامريكية عنه لتفاقم من مشكلاته وازماته الداخلية في غياب حلول ذاتية او سوفيتية عاجلة لها.. هذا بينما زادت ادارة جونسون من معوناتها العسكرية لاسرائيل كما ونوعا ورفعت مستوي التنسيق والتشاور والتخطيط المشترك بينهما الي اعلي مستوياته.. وكانها كانت تجهز اسرائيل لخوض حرب شاملة ضد مصر متي تهيأت الظروف التي تساعد عليها.. وقد وجدت سياسات جونسون ضد عبد الناصر تجاوبا هائلا لها في اسرائيل.. علي كافة الاصعدة السياسية والعسكرية.. وهي السياسات التي كان لها دور محوري كبير في تشجيع اسرائيل علي الدخول في حرب كبيرة ضد مصر تتيح لها الحصول علي ما لم يمكنها الحصول عليه في حرب السويس عام ١٩٥٦..عندما اضطرت مرغمة تحت ضغط ادارة الرئيس ايزنهاور الي الانسحاب من سيناء.. وهو ما كانت مصممة علي رفضه هذه المرة وعدم الانصياع له..
واما عن الموقف العربي العام، فكان وقتها وبفعل تداعيات الحرب اليمنية في اسوأ صوره واشكاله، حيث كان منقسما الي جبهتين معاديتين لبعضهما هما الجبهة المصرية والجبهة السعودية.. وكان لكل من الجبهتين مناصريها وداعميها عربيا واقليميا ودوليا. فضلا عن ان سوريا والعراق كانتا غارقتين وقتها في مستنقع الفوضي وعدم الاستقرار بسبب الانقلابات البعثية العسكرية المتلاحقة في صراعات محتدمة علي السلطة.. صراعات لا علاقة لها بالصراع العربي الاسرائيلي واستنزفت حيوية جيوشهما في موامرات داخلية اضرت بالامن القومي العربي ولم يكن لها دور في حسابات اسرائيل لقراراتها في حربها المقبلة علي مصر.. وهو ما اخلي الساحة العربية امامها.. وجعلها مطمئنة لنتائجها من قبل ان تبدأ..
واما مصر في الفترة السابقة مباشرة علي حرب يونيو، فكانت الي جانب تورطها المكلف بشدة لها في حربها ضد السعودية في اليمن، فانها كانت تشهد صراعا خفيا وخطيرا علي السلطة في الداخل، وهم من اسماهم الرئيس عبد الناصر بعد هزيمة يونيو بمراكز القوي.. كان الصراع بينهم يدور حول ما اذا كان يجب ان تبقي السلطة كلها بيد عبد الناصر ، ام انها يجب ان تكون للجيش بقيادة المشير عامر وحاشيته من الضباط الموالين له.. وكانوا ياتمرون باوامره ، وهو ما اضعف كثيرا من قدرة الجيش علي الاستعداد لخوض حرب ضد اسرائيل بعد ما تعرض له من استنزاف شديد في حرب اليمن.. التي نالت من معنوياته وادت الي تراجع الجبهة الاسرائيلية كاولوية امنية قصوي علي غرار ما كان عليه الحال من قبل..
كل هذا وغيره كان حاضرا بقوة في صورة ما حدث وقتها.. وما ذكرته هنا هو رءوس عناوين كبيرة تكمن وراءها تفاصيل اخري كثيرة لا اول لها ولا آخر.. ومكانها كتب ومجلدات..
لكني اردت ان اقول ان ما جري داخليا وعربيا واقليميا ودوليا كان اكبر بكثير من ان يقدر عبد الناصر وحده علي الامساك بزمامه والسيطرة عليه.. لم تكن المبادرة بيده حتي يكون سيد قراراته.. وانما جاء الكثير منها كردود افعال لم يكن يملك غير ان يتصرف بها.. كان واقعا بين السندان السوفيتي والمطرقة الامريكية.. ويخوض حربا في اليمن طالت كثير عن ما كان يتوقعه لها.. والاوضاع في الداخل المصري لم تكن علي ما يرام.. وهو في مركز الزلزال.. ومن هنا اندفع رغما عنها الي حرب لم يكن يريدها ولا مستعدا لها ولا هذا وقتها.. وكان عليه وعلي مصر وعلي المنطقة كلها ان تدفع ثمنا باهظا في هذه الحرب المدبرة.. القضية الحقيقية اذن ليست في كوننا مع عبد الناصر او ضده.. ولكن في ان نفهم ونعرف الاسباب التي كانت وراء كل ما جري. ولعلني اكون اليوم قد القيت بعض الضوء عليها..
لم اكن انوي ان اواصل الكتابة عن حرب يونيو ٦٧ مكتفيا بما كتبته في مقالين لي علي صفحتي صباح اليوم.. لكني واستجابة مني لما جاء في تعقيبات بعض الاصدقاء علي ما كتبته عن الظروف والملابسات والاحداث والمؤثرات التي قادت في النهاية الي هذه الحرب، رايت ان من واجبي ان اضيف تلي جملة ما قلته بعض النقاط الاخري التي قد تلقي بالمزيد من الاضواء الكاشفة علي مواقف وقرارات الرءيس عبدالناصر خلال ادارته لازمة هذه الحرب..
نقطة البداية في سيناريو الازمة جاءت مع ابلاغ القيادة السوفيتية في الكرملين الرئيس عبدالناصر في بداية مايو ١٩٦٧ بوجود حشود عسكرية اسرائيلية ضخمة وبصورة غير عادية علي الحدود الاسرائيلية السورية كانت وفق تقديراتهم احد عشر لواء اسرائيليا مدرعا. ،وانها كانت بصدد الهجوم علي سوريا، وانه كان يتعين علي مصر بموجب ميثاق الدفاع المشترك الموقع مع سوريا سرعة التحرك بخطوات عسكرية عملية اما لردع هذه التهديدات الاسرائيلية لسوريا او للرد عليها اذا ما استدعت الظروف ذلك.. وكان تحذير السوفيت للرئيس عبدالناصر من ان غياب الرد المصري سوف يتيح لاسرائيل الانفراد بسوريا والهجوم عليها وهزيمتها ، بكل ما سوف يترتب علي ذلك من عواقب ونتائج لمصر..
ومع استمرار تدفق هذه التقارير والتحذيرات السوفيتية وبوتيرة متسارعة لم يكن من الممكن تجاهلها او التشكيك في صحتها، رغم نفي الحكومة الاسرائيلية المتكرر لها ، اضطر عبدالناصر لان يامر في ١٤ مايو ٦٧ باعلان التعبئة العامة في صفوف القوات المسلحة المصرية واستدعاء الاحتياط للخدمة ، وفي اليوم التالي مباشرة شرعت تلك القوات في التحرك صوب شبه جزيرة سيناء،. ليبدأ بفعل التحريض والتسخين السوفيتي لعبد الناصر ، الفصل الاكثر درامية في هذه الازمة الدولية الخطيرة..
ففي ١٦ مايو طلبت الحكومة المصرية من السكرتير العام للامم المتحدة يو ثانت سحب قوات حفظ السلام الدولية من كافة المواقع التي كانت ترابط فيها علي طول الحدود المصرية الاسرائيلية وكذلك من منطقة شرم الشيخ عند مدخل خليج العقبة ، وفي ١٨ مايو اعلن يو ثانت ان الامم اامتحدة وافقت علي طلب الحكومة المصرية اعتبارا من اليوم التالي مباشرة وانه سوف تخلي جميع المواقع ومراكز المراقبة التي كانت تلك القوات تعمل منها.. وفي ١٩ مايو اعلنت اسرائيل حالة التعبئة العامة في قواتها.. في عملية تصعيد متبادل بدات تخرج عن السيطرة، وتازم الموقف اكثر بقرار الرئيس عبدالناصر في ٢٣ مايو باغلاق مصيق تيران في وجه الملاحة الاسرائيلية واعلانه ان خليج العقبة يدخل ضمن مياه مصر الاقليمية…
بدا واضحا من قرار عبد الناصر اغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الاسرائيلية، انه لم يكن قد خطط جيدا لهذه الخطوة التصعيدية الكبيرة التي اعتبرتها اسرائيل بمثابة اعلان حرب من مصر عليها.. والارجح بشهادة محللين دوليين عديدين انها جاءت كرد فعل لا ارادي في سياق الضغوط والتوترات النفسية العنيفة التي افرزتها ظروف هذا الموقف التصعيدي المتبادل علي الجانبين.. هنا كان الموقف قد خرج من يد الرئيس عبدالناصر ليصبح واقعا في دوامته.. وتجاوز مرحلة الردع لاسرائيل لدفعها الي سحب حشودها منوعلي الجبهة السورية علي نحو ما اراده السوفيت ، ليمضي في مسار تصعيدي كان ينذر بحرب مصرية سورية اسرائيلية شاملة علي الجبهتين.. وهذا هو حال السيناريوهات التصعيدية دائما او غالبا في احسن الاحوال..
ولكي اكون امينا في شهادتي عن هذه الحرب ، تذكر المصادر انه علي الرغم من ان السوفيت ايدوا رسميا في مجلس الامن الدولي طلب مصر سحب القوات الدولية من اراضيها ، الا انهم بداوا بعدها يظهرون عدم ارتياحهم للمدي الذي كانت تحركات القوات المصرية قد وصلت اليه، بل واصبح معلوما ان مصر لم تجري مشاورات مسبقة مع الاتحاد السوفيتي حول قرار سحب القوات الدولية ، وان القرار جاء مفاجأة له. وانه منذ ذلك الوقت اصبحت مشكلة السوفيت الرئيسية هي محاولة التعرف بدقة علي النوايا الحقيقية للرئيس عبدالناصر، وعلي المدي الذي كان يمكنه ان يذهب اليه في مواجهنه المرتقبة مع اسرائيل… وتعبيرا عن هذا القلق طلبت القيادة السوفيتية من سفيرها في القاهرة نقل تحذيرها للرئيس المصري بضرورة توخي اقصي درجات الحذر وضبط النفس والامتناع عن الهجوم علي اسرائيل.. لكن كل تلك التحذيرات السوفيتية جاءت متاخرة جدا عن وقتها الذي كان يجب ان تتم فيه..
وتفسيري لهذا الموقف السوفيتي، هو انه بدا يعلن عن نفسه عندما اصبحت الحرب بين اسرائيل ومصر وسوريا وشيكة ومؤكدة.. وكان خوفهم الاكبر هو من احتمال اصذدامهم عسكريا بامريكا في الشرق الاوسط اذا ما تطورت الحرب في غير صالح اسرائيل.. وهو ما لم يكن السوفيت مستعدين له ولا راغبين فيه.. وفي الوقت نفسه لم يكن الرئيس عبد الناصر في موقف يسمح له بالتراجع بعد كل ما اتخذه من اجراءات وقرارات كان لها وقعها وصداها في طول المنطقة العربية وعرضها.. لم يكن امامه ما يمكنه ان يبرر به تراجعه.. ولهذا استمر..
اما لماذا خطط السوفيت لهذا السيناريو وبخاصة في مراحله الاولي والتي قادت الي كل ما تلاها من تطورات، وماذا كان هدفه من جر عبدالناصر الي هذه المواجهة العسكرية مع اسرائبل بذريعة الدفاع عن سوريا.، فهذا هو السؤال الكبير ، وان كنت ازعم ان الاجابة عليه ليست غائبة عني.. فصراعات الشرق الاوسط كانت دائما محور اهتمامي وكم اخذت من جهدي ووقتي…