رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب:المستقبل السياسي بين القارئ والكاتب

الفضول الانساني لمعرفة الآتي بعد الحال(المستقبل) ظاهرة معروفة ومستقرة في النفس البشرية، فالمستقبل هو الاطار الزمني الوحيد المتاح لممارسة الحرية(فالماضي انقضى، والحاضر في صيرورة متسارعة لا تتيح الفرص للتدخل ،واي تدخل هو رهان على نتائج مستقبلية لا راهنة).
ما سبق يقود الى اختلاط التنبؤ ” العلمي ” بالمستقبل مع التنبؤ الحدسي القائم على سرعة الاستنتاج الفوري في غياب التحليل المنطقي واستنادا للخبرة الذاتية والمشاعر، فالاول هو اقرب للتنبؤ الرياضي المرن ،بينما الثاني هو انعكاس للتجربة الذاتية للفرد.
ولما كان الانسان “حيوان سياسي ” على حد وصف ارسطو، فان التنبؤ عمل يمارسه الافراد والهيئات الاجتماعية والعلمية ، ومن هنا تتنوع طرائق التنبؤ من العرافة والكهانة والسحر والحدس وبناء النماذج المستندة للمنطق والرياضيات والفلسفة ، بل وتختلط هذه كلها عند البعض دون تمييز.
ولكن ما معيار التمييز بين هذه التنبؤات ؟ انه :
أ‌- المنهج المستخدم في التنبؤ وليس النتيجة العشوائية: فلو دخل طبيب على احد المرضى ،وبعد الفحص الطبي قال الطبيب ان احتمالات الوفاة 85%، ثم دخل صديق زائر للمريض ولكن لا علاقة له بالطب من قريب او بعيد ، فتحدث قليلا مع المريض وخرج ليقول:أموره مطمئنة وسيتحسن ، وبالفعل تحسن المريض بعد ايام قليلة وعاد لمنزله، فهل نحاكم ما جرى على اساس منهج التنبؤ(الذي اخطأ) ام نتيجة التنبؤ التي اصابت دون منهج ؟
ان الفرق بين الفين توفلر او غالتنغ او كوندراتيف وبين “قُراء الطالع ” ممن نراهم او نراهن على الشاشات هو الفارق بين مجتمع “الوعي ” وبين مجتمع “اللاوعي”، فالاول يتعلم من الخطأ ويحسن نماذج تحليله ويطور منهجه، بينما الثاني يعزز ثقافة الاسطورة وخرق الحُجُب ( هذا اذا استبعدنا احتمال ان اجهزة امنية تقف وراء ستارة الاسطورة)، ولو كررنا الفحوص لمئة مريض ( الطبيب والشخص الآخر) فان عدد مرات الصواب لصالح الطبيب محسومة تماما.
ب‌- يمثل ميدان السياسة ” ظاهرة ” أرى انها الأعقد في عالم الظواهر، فالخفايا تفوق في اغلب الأحيان المعلن منها، والتمويه اللفظي او الايحائي جزء من بنيتها ، وعدد متغيراتها لا يكاد ينضبط ، وتتسلل لها الغواية والتفكير الرغائبي ، والمفاجأة فيها امر معتاد ..الخ. لكن الامر الأهم هو متابعة مدى التطور في مناهج مطاردة هذه الظاهرة لفهمها ، وازعم بقدر كبير من الثقة ان المعرفة النسبية في مآلات الظواهر السياسية تتحسن وبالقياس الكمي لنتائجها ، لكن أحدا من الباحثين لا يقطع بأننا سنصل الى شاطئ اليقين في التنبؤ السياسي. لكن باحثي الميدان السياسي يتعلمون من الخطأ في تنبؤاتهم لتجنب التكرار ،فتتراكم المعرفة، فالعلاقة بين التطور العام والبحث العلمي يتسق مع خبرة الدراسات المستقبلية.
وهنا نعود ثانية للسحرة والمشعوذين لتسجيل ما يلي:
1- لا احد يسجل ” كل ” تنبؤ لهؤلاء ثم يقوم بحساب نسبة النجاح والفشل في كل سنة لاكتشاف هل هناك تحسن ام ثبات او ان النتائج عشوائية؟
2- يميل الناس لتذكر التنبؤ الصادق لكنهم لا يتذكرون الا نادرا الاخطاء، ومن هنا ،ما ان يقع ما جرى التنبؤ به حتى تنتشر عبارة ” هذا ما قاله او قالته ” المشعوذة او المشعوذ
3- يميل المشعوذون الى العبارات الغامضة والقابلة للتاويل ، فعندما يقال مثلا ان “زعيم عربي” سيتعرض لحادث خطير خلال هذا العام او العام القادم…فهذا يعني ان لدينا 22 زعيم عربي (وكلهم زعماء) يمكن ان يتعرض اي منهم لحادث، والمشعوذة لم تحدد هل هذا الزعيم ملك او رئيس او امير ، ثم ما تعريف ” حادث خطير” ؟ هنا يمكن سرد عشرات الوقائع التي يمكن ان تفسر بالخطيرة( الوفاة، سقوط طائرة، انقلاب، اغتيال، شلل، خلاف عائلي ، اختطاف…الخ)، فلو افترضنا ان حادث خطير له (30 معنى) ،فهذا يعني 30x 22= 660 احتمال ..وهكذا ، فإذا حدث اي شيء من ال 660 احتمال قيل لنا “الم نقل لكم ذلك”؟ وهنا اسأل : هل هذا يصلح للتخطيط وبناء الامم؟
ذلك يعني ان خطأ الدراسة المستقبلية هو ” درس تعليمي ” ، وهو خطأ مفيد منهجيا لانه ينبه الباحث ويعزز ادواته البحثية، وهو ما تدل عليه كل الدراسات التي تتناول تطور مناهج الدراسات المستقبلية، لقد وقعت بنفسي في اخطاء مستقبلية، لكن الدرس الذي تعلمته من اخطائي عزز نسبة الصواب لدي لاحقا، ولكن لو سالنا مشعوذة اخطأت في تنبؤها عن سبب الخطأ ، فهل تعرف؟
من جانب آخر، اغلب القراء –وبخاصة في مجتمعنا العربي- لا يمتلكون اية معرفة بمناهج الدراسات المستقبلية ،لكنهم متأهبون دائما “للفتوى ” في اية مشكلة تواجه المجتمع العربي، وبدون ان يكون قرأ مقالا في الموضوع، انه كمن يصر على المشاركة في اجتماعات لجنة علمية لاطلاق قمر صناعي ومؤهلاته أنه متقدم لبرنامج محو الامية، ويبدو ان المنظور ” الدهري” ما زال فاعلا في الثقافة العربية بين الجمهور والنخبة حاكمة او غير حاكمة، ويبدو ان الفضاء الاعلامي فتح مجالا ل “هبنقة ” وابن رشد معا.
ذلك يدعو للتمييز بين الخواطر (افكار عابرة) تقوم على الحدس بمعناه الذي اشرت له وبين “الدراسة العلمية ” للتنبؤ في موضوع سياسي، وازعم ان الكثير من ما يصرح به القادة والكثير من الكتاب في عالمنا العربي لا تتجاوز الخواطر والانطباعات، ويكفي الاشارة الى تركيز القارئ العربي –فردا او زعيما- في الغالب على الاحداث او الاتجاهات الفرعية الآنية في الظواهر دون رصد “الاتجاه الاعظم ” في سياقها التاريخي ومآلاتها المستقبلية، ويكفي النظر في الظاهرة الصهيونية لادراك ما اعنيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى