
هو محمد بن أحمد بن سهل بن نصر، أبو بكر الرملي الشهيد، المعروف بابن النابلسي. كان فقيهاً، وعالماً، وزاهداً، وإماماً في الحديث والفقه، وكان عظيم الصَّوْلَة والمهابة عند الخاصة والعامة، ومن كبار المحدثين في عصره.
عندما استولى الفاطميون (العبيديون) على البلاد، وظهر المعز العبيدي بالشام وبسط نفوذه عليها، أبطل صلاتي التراويح والضحى، وأمر بالقنوت في صلاة الظهر بالمساجد، كما أجبر علماء المسلمين على لعن أعيان صحابة رسول الله ﷺ على المنابر؛ وهو ما دفع كثيراً من العلماء إلى الهرب من فلسطين لئلا ينفذوا ذلك الأمر الجائر.
وكان الإمام النابلسي في طليعة من هاجر من العلماء فراراً بدينه من وجه العبيديين، حيث خرج من الرملة متوجهاً إلى دمشق.
كان الإمام النابلسي من أهل السنة والجماعة، ويرى وجوب قتال الفاطميين ومقاومة المعز العبيدي، وكان يقول كلمته المشهورة:
”لو كان في يدي عشرة أسهم، لكنت أرمي بالروم سهماً واحداً، وأرمي هذا الطاغية بتسعة”.
وبعد أن استطاع والي دمشق التغلب على القرامطة (أعداء العبيديين)، قبض على الإمام النابلسي وأسره، وحبسه في قفص من خشب. ولما وصل قائد جيوش المعز إلى دمشق، سلّمه الوالي إليه، فاحتمل الإمام مأسوراً إلى مصر.
عندما وصل إلى مصر، أحضر القائد جوهر الصقلي الزاهدَ أبا بكر النابلسي فمَثَل بين يدي المعز، فسأله المعز:
— بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي الروم بسهم، ويرمينا بتسعة؟
فقال الإمام النابلسي ثابتاً:
— ما قلت هكذا!
ففرح الطاغية وظن أن الإمام قد تراجع عن قوله خوفاً أو رهبة، فسأله بعد برهة:
— فكيف قلت إذن؟
قال الإمام النابلسي بكل شجاعة:
— قلت: إذا كان معه عشرة أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، ويرمي العاشر فيكم أيضاً!
فسأله المعز غاضباً:
— ولمَ ذلك؟!
فرد الإمام:
— لأنكم غيّرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادّعيتم ما ليس لكم.
فأمر المعز بإشهاره والطواف به في أول يوم، ثم ضُرب في اليوم الثاني بالسياط ضرباً شديداً مبرحاً. وفي اليوم الثالث، أمر جزاراً يهودياً بسلخه — بعد أن رفض الجزارون المسلمون القيام بذلك —، فسُلخ من مفرق رأسه حتى بلغ وجهه، فكان يذكر الله ويصبر. ولما بلغ السلخ عضده، رحم السلاخُ اليهودي ضعفَه وأخذته رقة عليه، فوكز السكين في موضع قلبه ليعجل بموته رفقاً به، فقضى الإمام شهيداً. ثم حُشي جلده تبناً، وصُلب على أبواب القاهرة.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.