ألقيتُ بـ”النوتة” التي كنتُ أكتب فيها -وهمًا- عدد الطائرات التي أسقطناها، والدبابات التي حطّمناها، حين رأيت والدي يبكي للمرة الأولى وهو ينظر إلى التليفزيون وبه صورة لا أنساها للزعيم المنكسر، ويقول لي: لقد انهزمنا.
كانت فاجعة ١٩٦٧ صفعة موجعة على وجوهنا جميعًا، وعلى وجه عبد الناصر قبلنا؛ فهو الزعيم الذي أحببناه من كل قلوبنا لنصرته للفقراء، وللنهضة التي قادها في مجال التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعية. ولقد تعلم عبد الناصر جيدًا هذا الدرس الموجع الذي كسر أنفه، فاعترف بمسؤوليته الكاملة عن الهزيمة -وهي شجاعة لم تتكرر من بعده- وتحمله وحده كل الأخطاء الجسام الذي قادتنا للهزيمة، سواء تنحّى بعدها أم لا، فهو لم يكابر، أو يبرر، أو يصنع أحلامًا جديدة من السراب! وكان من الممكن للشعب وقتها أن يلومه، أو يحاسبه، أو حتى يطالب بسجنه لأنه أخل بالثقة الكاملة التي أعطيناها له وفرط فيها، ولكن الشعب العظيم الواعي خرج رافضًا الهزيمة، ومطالبًا بالثأر، مجددًا الثقة بالزعيم المهزوم، على شرط واحد، وهو أن يصحح المسار الخاطئ الذي قاد إلى الكارثة. لم يكن عبد الناصر يريد من ينبهه لذلك فالصفعة الشديدة على وجهه، أفاقته تمامًا على الحقيقة التي تجاهلها أو كاد ينكر أثرها.
كان الكل آنذاك يعرف الخطأ الأكبر، الذي ظل يتكرر بعده في كل العصور، وهو الاعتماد المفرط على أهل الثقة “والفهلوة” و “الحداقة” الفاسدين دون أهل الخبرة، فكان أن غيّر فورًا قادة الجيش، وحاكم رؤوس الفساد في أجهزة الدولة، وبدأ حرب الاستنزاف الطويلة التي أرهقت العدو، وبنى بتضحيات كبيرة حائط الصواريخ، وأعد خطة العبور والتحرير التي نُفّذت في عام ١٩٧٣، وفي الوقت نفسه حافظ على معدلات التنمية العالية لبلده، واستمر في بناء المصانع، وأتم مشروعه العملاق؛ السد العالي، وحقق لأول مرة فائض في الميزان التجاري في ١٩٦٩. لقد أهلك نفسه وصحته لتصحيح الخطأ الكبير الذي قادنا بنفسه إليه، وتوفي وديون بلده لا تتجاوز مليار دولار؛ تنازل عنها الدائن. فكأن حال لسان الشعب كاد أن يقول “ما كان من الأول”! بنظرة فاحصة إلى الخلف، كان يجب على الزعيم الأوحد -مهما كانت عظمته- أن يتلقى هذه الصفعة المؤلمة كما تلقاها الألمان واليابانيون والإيطاليون والفرنسيون في الحرب العالمية الثانية، حتى يفيق ويتم التغيير إلى الأفضل.
كانت الدروس الثلاثة التي حاولت الهزيمة المؤلمة أن تعلمنا إياها:
١- ضرورة الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية عن الفشل.
٢- الاعتماد فقط على أهل الخبرة في مواقع القيادة، فمصر ولّادة وبها الكثيرون.
٣- تصحيح المسار تمامًا بلا مكابرة ما دمنا اعترفنا بالفشل.
هذا ما يطبقه معظم الغرب الآن، فلقد تعلموا جميعًا الدروس الثلاثة. رحم الله الزعيم عبد الناصر، وغفر له هذا الكارثة التي لولاها لما تعلمنا هذه الدروس.