كتاب وشعراء

أبجدية الخضوع …بقلم حسناوي سيلمي

في ضيافة الوقت الغارب قف قبالتي كأي غريمٍ شجاع، ولا تتهرب مني في عتمة الذاكرة.. ها أنا أخيرًا أضعك أمامي، كدفترٍ مهلهل، ممزق، ومليء بثقوب الندم. أتنظر إلى هذا القلم بين أصابعي؟ سأرممك بكلماته سطرًا سطرًا، لا لأني أستجديك، بل لأني أريد مكاشفتك.لماذا ركضت بي بكل هذه السرعة أيها العمر؟ ألم تسمعني وأنا أصرخ خلفك في محطات الغربة، متوسلاً أن تبطئ قليلاً؟ لقد سرقت مني نضارة الوجه، وسواد الشعر، وبريق العينين، وتركتني هاهنا أجمع شتات نفسي بحبرٍ واهن. هذه السطور الرمادية التي أخطها الآن، هي مكان تلك الليلة التي ضيعتها في ملاحقة وهم الثراء. وهذا البياض الشاغر، هو الفراغ الشاسع الذي خلفه الراحلون الذين تسربوا من بين أصابعي دون تلويحة وداع. أنا لا أكتب كلمات الآن.. أنا أرمم خيباتي بك، وأجعل من الحبر جسرًا يلم جراحك! أتعتقد أنني أقاومك؟ أتعتقد أنني أملك رفاهية التمرد عليك؟ لا.. لقد أخطأت الفهم.لقد هزمتني أيها الماضي. عبثاً أحاول الافتكاك منك؛ فكل طريق أسلكه يرتد بي إليك، وكل كلمة أكتبها تلتفت وراءها لتراك. يسقط القلم من يدي الآن، ليس تمرداً، بل إعلاناً للهزيمة الكاملة. تلك الثقوب التي في تفاصيل عمرك المسافر أكبر من حبري، وأعمق من ورقي. لن أقاوم التيار بعد اليوم. سأخلع عني دروع الحاضر الواهية، وأرمي بجسدي المثقل في محيطك الهائج. خذني إليك بالكامل؛ اجعلني أسيراً لتلك الضحكات الميتة، ولقوافل الراحلين الذين غابوا في المدى، والعهود التي تكسرت. اليوم، أعلن خضوعي التام لك، أعيش ما تبقى من سنيّ في غيبوبة الذكرى، فلا غد ينتظرني، ولا حاضر يسعني… أنت كلي، وأنا بقاياك.». في تلك اللحظة الحرجة التي أفلتت فيها أصابعه القلم، كانت الطبيعة بالخارج تعزف لحن الهزيمة ذاته، وتترجم صخب الانكسار الذي يعصف بأعماقه. كانت السماء قد تخلت عن زرقتها تماماً، واكتست بثوب رمادي داكن كالحبر الذي سقط من قلمه. بدأت الرياح تعوي كذئاب جريحة، تتسلل لتصدر صفيراً حاداً يشبه أنين الراحلين. ثم انهمر المطر بقسوة، يجلد وجه الأرض بإيقاع رتيب وموجع، كأنه مأتم جنائزي يقام على شرف العمر المسافر. حبات المطر الضخمة كانت تسيل خطوطاً متعرجة تشبه الدموع الباردة، فتحجب الرؤية عن العالم الخارجي، وتُغلق عليه دائرته المغلقة مع الماضي. كان الضوء الشاحب يتراقص بفعل الهواء المتسلل، مما جعل الظلال تتمدد وتتقلص كأشباح حية. ومع السقوط الأخير للقلم، تزامنت ضربة رعد قوية هزت الأرجاء، وأعقبها وميض برق خاطف أضاء العتمة لثانية واحدة، كاشفاً عن ملامح الرجل المستسلم، ودفتره المفتوح، وبقعة الحبر التي بدأت تتمدد على الورق مثل جرح ينزف في صمت، تحت وطأة شتاء لا يرحم.ومع خفات وميض البرق، كفّت يداه عن الحركة تماماً. أغلق عينيه أمام غزارة الانهمار وجبروت العاصفة. لم يعد يسمع رعد السماء، بل كان يستمع في وداعة تامة إلى خطى الراحلين وهي تطوف بالمدى، لتمسك بيده وتقوده إلى موطنهم الأبدي خلف حدود الوقت. تمددت بقعة الحبر على الورق حتى ابتلعت آخر الكلمات الشاحبة، مموهة الحد الفاصل بين السطور وبياض الدفتر، تماماً كما تلاشت في روحه الحدود بين ما كان وما هو كائن. ساد سكون عميق في داخله، صمتٌ يفوق صمت القبور المهجورة، كأنما خمدت في قلبه الثورة الأخيرة ضد الزمان المعاند.وفي تلك الزاوية المنسية من الوجود، وتحت وطأة الشتاء الذي لا يرحم، نام نومتة الطويلة؛ لم يكن رجلاً هزمته السنين، بل كان مسافراً تعب من الالتفات إلى الوراء، فألقى بقلمه، واستسلم أخيراً لقصيدته التي لم تكتمل.ومع انطفاء آخر ضوء، لم يعد هناك سطرٌ يُكتب، ولا عمرٌ يُسافر.. لقد التأم الشرخُ أخيرًا، وغدا المداد هو الأثر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى