كتاب وشعراء

قرابةُ النور ….بقلم عماد خالد رحمة

في سِرِّ الأرواحِ…
لا أحدَ يشرحُ كيفَ تهتدي النجمةُ إلى شقيقتِها في ازدحامِ المجرّات،
ولا كيفَ يعثرُ العطرُ على زهرتِه الأولى بعد أن تُبعثرَهُ مواسمُ الريح.
ثَمَّةَ أشياءُ لا تُدرَكُ بالعقلِ وحده،
بل تُقرأُ ببصيرةِ القلبِ.
فالأرواحُ، منذ البدءِ، كانت تُخبِّئُ أسماءَها في دفاترِ الغيب،
وحين تلتقي تعرفُ بعضها كما تعرفُ المياهُ طريقَها إلى الينابيع.
لا تسألْ:
لِمَ أحببتَ هذا الإنسانَ دون سواه؟
فالمحبّةُ الكبرى لا تُولدُ من الأسباب، بل من التوافقِ الخفيِّ بين نجمين اقتسما العتمةَ ذاتَ مساء.
هؤلاءِ الذين يشبهونكَ…
لا يطرقونَ بابَكَ كالعابرين،
بل يدخلونَ إلى مساحاتِكَ المنسيّة كأنهم كانوا هناكَ منذ زمنٍ بعيد.
يعرفونَ مواضعَ الحزنِ في تضاريسِ روحِكَ،
ويصغونَ إلى ارتعاشةِ الصمتِ حين يعجزُ الكلام.
إذا ضحكتَ أبصروا وراء الضحكةِ ظلَّ دمعة،
وإذا صمتَّ سمعوا في صمتِكَ ضجيجَ الأسئلة.
هم الذين لا يحتاجونَ إلى شرحِ الوجع،
لأنهم يحملونَ نسخةً أخرى من قلبِكَ.
وإذا غابوا…
اختلَّ ميزانُ الجهات،
وصارتِ الأمكنةُ أقلَّ اتساعًا،
وصارَ النهارُ أشدَّ وحشةً،
كأنَّ نافذةً من الضوء أُغلقتْ في وجهِ العالم.
أما الآخرونَ…
فيمرّونَ كما تمرُّ غيمةٌ عابرة،
لا تُنبتُ في الروحِ حديقةً،
ولا تتركُ على جدارِ الذاكرة أثرًا يُذكَر.
لكنَّ أشباهَ روحِكَ شيءٌ آخر…
إنهم وطنٌ يتنقّلُ في هيئةِ بشر،
وطمأنينةٌ ترتدي وجوهًا قليلة.
لهذا يبقونَ…
ولو ابتعدتْ بهم مسافاتُ الأرض،
ولو فرّقتْهم خرائطُ المنافي،
فما يجمعُ الأرواحَ أعمقُ من الطريق،
وأبعدُ من المسافة،
وأقوى من الزمن.
يبقونَ في القلبِ
كما يبقى الضوءُ في ذاكرةِ الفجر،
وكما تبقى أغنيةٌ قديمة تُرافقُ الروحَ كلما أثقلها التعب.
نادرونَ…
كالمطرِ في مواسمِ القحط،
وكالينبوعِ في صحراءِ الأعوام،
لكنَّ حضورَهم
حين يحضرونَ
يكفي ليجعلَ العالمَ أكثرَ احتمالًا للحياة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى