كتاب وشعراء

امراة من تأريخ البحر…..بقلم فاضل عباس

امراة من تأريخ البحر
جلستْ كأنها الناجيةُ الأخيرةُ من قلبِ الغيم،
بشرتها السمراء
لم تكن لوناً
بل تاريخاً من الشموسِ التي مرّتْ على روحها
ولم تجدْ ظلاً يكفي.
كانتْ تُحدّق في البحر
كما لو أنّها تبحثُ عن وجهٍ قديم
أضاعتهُ الحروبُ داخلَ الموج،
وعيناها الثملتان بجرحٍ دفين
كانتا تشبهان نافذتين
ينامُ خلفهما ليلٌ لا يعترفُ بالفجر.
حين اقتربَ المدُّ
لم يقتربْ كماء،
بل ككائنٍ عجوز
يحملُ ذاكرةَ الغرقى
وأسماءَ الذين أحبّوا أكثرَ مما ينبغي.
قال لها:
“يا امرأة،
أنتِ على اليابسة
وأنا في الأعماق،
وحده العطش يجمعنا.”
فابتسمتْ
كمن تذكّر فجأةً
أنّ القلبَ أيضاً بحر،
وأنّ بعضَ الناس
يغرقون وهم واقفون.
ثم همستْ له:
“لا تخدعْكَ المسافاتُ أيها المد،
فأنا منذ أعوام
أعيشُ غريقةً على اليابسة،
أجرُّ خلفي أمواجاً لا يراها أحد،
وأرتدي وجهي
كما ترتدي المدنُ المنهكةُ ضوءَ المساءِ
كي لا يفضحها الخراب.”
سكتَ البحرُ قليلاً…
وفي البعيد
كانتْ النوارسُ تدورُ فوقهما
كأنها أفكارُ الله
حين يحزنُ على العاشقين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى