تقارير وتحقيقات

ورطة ترمب الإيرانية وفن “اللا صفقات” .. في عيون فوكوياما

كتب:هاني الكنيسي
في قاعة امتلأت بالصحافيين والسياسيين بمدينة إيفيان الفرنسية التي تستضيف قمة مجموعة السبع الكبرى G7، دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم (الثلاثاء) عن الاتفاق (مذكرة التفاهم حسب التوصيف الرسمي) الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران، مؤكداً أنه “اتفاق عادل” سيوقف القتال ويعيد الملاحة في مضيق هرمز ولن يسمح بتدفق مليارات الدولارات إلى إيران “كما حدث في عهد باراك أوباما”.
لكن أحد أبرز الأكاديميين والمفكرين الأمريكيين المعاصرين يطرح قراءة مختلفة تماماً.
البروفيسور ‘فرانسيس فوكوياما’، صاحب كتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” وأحد أكثر الأصوات تأثيراً في الفكر السياسي الأمريكي خلال العقود الثلاثة الماضية، يرى أن ما يصفه ترمب بالانتصار المؤزر ليس سوى “استسلام أمريكي لإيران”، مؤكدًا أن الاتفاق الجديد “أسوأ” من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015 وشن ترمب نفسه حملة سياسية وإعلامية شرسة ضده.
في مقاله الأخير بعنوان “The Art of the Non-Deal” أو “فنّ عدم إبرام الصفقات”، اختار ‘فوكوياما’ عنواناً ساخراً يطعن بذكاء في “الصورة النمطية” التي لطالما حاول ترمب رسمها لنفسه بوصفه “صانع الصفقات الموهوب”.
فملياردير العقارات والمراهنات البرتقالي الذي بنى جزءاً كبيراً من حضوره السياسي وشعبيته بين الأمريكيين على كتابه الشهير “فن الصفقة”، يداري اليوم -في رأي ‘فوكوياما’- مرارة هزيمته على يد المفاوض الإيراني طويل النفس، حيث “لا صفقة حقيقية، ولا مكاسب استراتيجية واضحة، بل مجرد هدنة مؤقتة أعادت الأطراف إلى النقطة التي كانت تقف عندها قبل اندلاع المواجهة”.
يفتتح الكاتب الشهير (أستاذ العلوم السياسية بجامعة ‘ستانفورد’ المرموقة) مقاله بالتذكير بأن ترمب في عيد ميلاده الثمانين (الأحد الماضي) أعلن التوصل إلى هدنة لمدة ستين يوماً مع إيران، وقدّمها بوصفها إنجازاً شخصياً كبيراً، مشيدًا بمساهمة الرئيسين الصيني ‘شي جين بينغ’ والروسي ‘فلاديمير بوتين’ دون تفسير لطبيعة إسهامهما.
غير أن فوكوياما يرى أن هذا “الاتفاق” ليس اتفاقاً بالمعنى الحقيقي، فيكتب: “إذا كانت التقارير صحيحة، فإنه يمثل استسلاماً أمريكياً كاملاً لإيران”. فكل ما حدث، بحسب وصفه، هو عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل بدء الحرب، عندما كان مضيق هرمز مفتوحاً ولم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل قد دخلتا في مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية.
ويمضي الكاتب الأمريكي أبعد من ذلك حين يعتبر أن الحرب نفسها لم تحقق أيّاً من الأهداف التي أعلنتها إدارة ترمب لتبرير شنها. فلا تغيير للنظام الإيراني، ولا “استسلام غير مشروط”، ولا تفكيك للحرس الثوري، ولا تسليم لمخزون اليورانيوم المخصب، ولا التزام بوقف التخصيب النووي، ولا إنهاء للدعم الإيراني لحلفائها الإقليميين، ولا حتى تعهد بتخفيف القبضة الأمنية داخل إيران. ويطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت هذه الملفات محسومة كما يقول ترمب، فلماذا لم تُدرج أصلاً في مذكرة التفاهم؟
ويرى ‘فوكوياما’ أن جميع القضايا الخلافية “الجوهرية” جرى ببساطة ترحيلها إلى مفاوضات مستقبلية خلال فترة الهدنة، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى “تفاهم” على تأجيل الأزمة. ويضيف أن من غير الواقعي توقع أن تتخلى إيران خلال ستين يوماً عن ملفات تمثل جوهر هوية النظام وأدوات بقائه ونفوذه الإقليمي.
ويخصص الكاتب فقرة طويلة من مقاله للمقارنة بين اتفاق ترمب الحالي والاتفاق الذي أبرمه أوباما عام 2015، ليخلص إلى نتيجة معاكسة تماماً للسردية البرتقالية. فالاتفاق الذي انسحب منه ترمب قبل سنوات كان – بحسب ‘فوكوياما’ – يفرض قيوداً واضحة ومحددة على برنامج إيران النووي، إذ حظر تخصيب اليورانيوم فوق نسبة 3.67% لمدة خمسة عشر عاماً، ونص على آليات رقابة دولية دقيقة وإجراءات لإزالة اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية.
أما التفاهم الحالي فلا يتضمن قيوداً مماثلة على القدرات النووية الإيرانية، ولا يفرض التزامات بشأن الحلفاء الإقليميين لطهران، ولا يحدد عقوبات واضحة في حال فشل المفاوضات اللاحقة. وهنا يكتب بنبرة حاسمة: “اتفاق ترمب المزعوم يحقق نتائج أقل بكثير من الاتفاق الذي أبرمه أوباما”.
ويعزو الكاتب هذا “التراجع” أمام إيران إلى اعتبارات داخلية أمريكية أكثر من ارتباطه بحسابات استراتيجية. فارتفاع أسعار النفط ومخاطر التضخم والضغوط الاقتصادية دفعت ترمب – بحسب تحليله – إلى البحث عن أي مخرج سريع يضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتجنب مزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية. ومع استبعاده إرسال قوات برية إلى إيران وعدم امتلاكه وسائل ضغط إضافية فعالة، لم يجد خياراً سوى التراجع والقبول بالعودة إلى الوضع السابق.
وفي ختام مقاله، يقر ‘فوكوياما’ بأن إعادة فتح مضيق هرمز ستخدم الاقتصاد العالمي وتخفف من أزمات التجارة والطاقة، إلا أن ذلك -كما يرى- لا يغير حقيقة أساسية: “الولايات المتحدة خرجت من الأزمة من دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها، بينما تمكنت إيران من الحفاظ على أوراق قوتها الرئيسية”. ثم يختم بعبارة كاشفة، قائلًا: “ربما يقتنع دراويش ترمب بأنه أنجز ‘صفقة مثالية’، لكن بقية العالم سيرى شيئاً مختلفاً تماماً: أقوى دولة في العالم يديرها رئيس طائش وجاهل مستعد لفرض تكاليف باهظة على الآخرين وعلى شعبه إذا اعتقد أن ذلك سيعود عليه بفائدة شخصية”.
الجدير بالتسجيل في هذا السياق، أن ‘فوكوياما’ ليس صوتًا نشازًا في هذا التقييم “السلبي” للاتفاق الأمريكي الإيراني الذي يُفترض أن يتم التوقيع على مذكرة تفاهماته المبدئية يوم الجمعة في جنيف. إذ تواترت المقالات والتعليقات الصادرة عن كتّاب ومحللين أمريكيين من اتجاهات فكرية مختلفة اعتبرت أن مذكرة التفاهم الجديدة تمثل تراجعاً عن معظم الشعارات التي رفعها ترمب خلال الأشهر الماضية، ومن بين أبرزها افتتاحية ‘نيوزويك’ اليوم تحت عنوان “لماذا انتُقدت صفقة إيران واعتٌبرت استسلامًا؟”Why the Iran Deal Is Criticized and Called ‘Surrender’ ، والتي تناولت بالتحليل المنطقي أسباب وصف الاتفاق بأنه “استسلام”، مشيرةً إلى أن منتقديه يرون أنه منح إيران ما كانت تريده أساساً، أي وقف الضغوط العسكرية والاقتصادية المباشرة، من دون أن تقدم في المقابل تنازلات استراتيجية جوهرية.
ويلاحظ عدد من المعلقين الأمريكيين أن الرئيس الذي وعد بإجبار طهران على التخلي عن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي عاد في النهاية إلى صيغة لا تختلف كثيراً عن سياسة الاحتواء والتفاوض التي كان يهاجمها بشدة عندما كان خارج البيت الأبيض. بل إن بعض الأصوات المحافظة التي دعمت نهج ترمب المتشدد تجاه إيران، وجدت نفسها مرتبكةً أمام نتيجة يصعب التوفيق بينها وبين خطاب “النصر الكامل” الذي واكب شن حرب “الغضب الملحمي” Epic Fury على إيران، نهاية فبراير الماضي.
وعلى سبيل المثال، السيناتور الأمريكي الصهيوني الهوى ‘ليندساي غراهام’ الذي طالما حذّر من وقف الحرب على إيران، نشر تغريدة خبيثة يثني فيها على جهود فريق المفاوضين بقيادة نائب الرئيس ‘جي دي فانس’، لكنه يسخر من “سوء فهم” طهران لفحوى الاتفاق، مشيرًا إلى أن أي اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي “يجب أن يُرسل رسمياً إلى الكونغرس لمراجعته والتصويت عليه”، قبل أن يختتم تغريدته بعبارة: “الوقت كفيل بالبيان” Time will tell. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى