تقارير وتحقيقات

الابتسامة الكاذبة، وخدعة “موديلات” الذكاء الاصطناعي في إعلانات الجيل زد

تحقيق مثير نشرته صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية اليوم يكشف أن عدداً متزايداً من الشركات العالمية والعلامات التجارية الكبرى بات يعتمد على “مؤثرين” و”موديلات فاتنات” صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، للترويج لمنتجاتها على منصات التواصل الاجتماعي، من دون أي إشارة إلى أن أبطال الصور ومقاطع الفيديو “الإعلانية” ليسوا بشراً حقيقيين أو زبائن جرّبوا المنتجات كما يزعمون.
ووفقًا للتقرير، فإن السلوك الشرائي لعشرات الملايين من الجمهور المستهدف -عبر السوشيال ميديا- يتأثر فعليًا بالفتاة التي تتحدث بحماس عن منتج تجميلي، أو بالجارة الحسناء التي تروي تجربتها الرائعة مع أبليكشن (تطبيق) حديث، أو بالشاب الجذاب الذي يفتح صندوق منتج جديد أمام الكاميرا، دون أن يخطر ببال أي منهم أنها جميعًا شخصيات رقمية مصطنعة وزّعتها الخوارزميات بذكاء، بين منصات انستغرام وفيسبوك وإكس وغيرها.
والأخطر -حسب الغارديان- أن بعض صناع هذا المحتوى يُطلب منهم توقيع إقرارات “عدم إفصاح” تمنعهم من الحديث عن دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج هذه المواد الدعائية.
ومن أبرز الأمثلة التي أوردها التحقيق، تطبيق ONCE الذي يتيح للمستخدمين التقاط صور رقمية بطابع الكاميرات التقليدية، إذ أظهر تحليل أجرته شركة الأمن السيبراني Reality Defenders المتخصصة في كشف تقنيات التزييف العميق، أن بعض الوجوه التي ظهرت في حملاته الترويجية على ‘إنستغرام’ مولدة بالذكاء الاصطناعي. وفي أحد المقاطع ظهرت عروس تبكي تأثراً وهي تتحدث عن تجربتها مع التطبيق في حفل زفافها، بينما لا يعرف المشاهد ما إذا كانت هذه الشخصية موجودة بالفعل أم لا.
وفي مثال آخر، ظهرت امرأة تقول عبر فيديو دعائي: “أودّ تقبيل مصممة الديكور التي عرّفتني على هذا التصميم”، بينما كانت تروّج لتطبيق جديد من إنتاج شركة ‘ماكيت’ (Maket) المتخصصة في المعمار باستخدام الذكاء الاصطناعي. واللافت أن الشركة الكندية اعترفت بأن استخدام “المؤثرين الافتراضيين” كان جزءاً من تجربة تسويقية لاختبار أفكار إبداعية قبل الاستثمار في حملات أوسع.
أما شركة الأزياء العالمية “آشلي” Ashley في دبي، فوقعت في حرج كبير بعد تداول صور لعارضة أزياء “بستة أصابع في يدها”، وهو أحد الأخطاء الكلاسيكية التي تفضح زيف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وقد اضطرت الشركة لحذف الإعلان بعد استفسارات من ‘الغارديان’، مؤكدة أن منتجاتها حقيقية لكنها استخدمت بعض الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في مرحلة الإطلاق الأولى.
حتى مقاطع فيديو “فتح الصناديق” الشهيرة (Unboxing Videos)، التي تبدو من أكثر أشكال المحتوى الرقمي صدقية وعفوية، غزاها الذكاء الاصطناعي. إذ كشف الفنان البريطاني ‘زاك روسيتر’ (المعروف باسمه الفني Zacrosso) أنه تلقى عرضاً من وكالة تسويق لإنناج فيديو “فتح علبة” لملصقاته الفنية السياحية باستخدام شخصيات اصطناعية بالكامل، لكنه رفض الفكرة باعتبارها “خداعا للجمهور الذي يثق به”.
المفارقة في أن الجمهور (الساذج) يبدو عاجزًا عن اكتشاف الخديعة. فبحسب دراسة أجرتها منظمة حماية المستهلك البريطانية ‘ويتش؟’ (Which) فإن 70% من الأشخاص الذين شاركوا في الاختبار “لم يتمكنوا من التمييز بين جميع مقاطع الفيديو الحقيقية والمزيفة التي عرضت عليهم”.
وعن ذلك تقول ‘ليزا باربر’ محررة التكنولوجيا في المنظمة: “مؤسف أن المستهلكين لا يمكنهم الوثوق بالمحتوى الدعائي عبر الإنترنت. على الشركات أن تكون أمينة عندما تستخدم محتوىً مولّدا بالذكاء الاصطناعي، خاصة ذلك الذي يكون أبطاله من المؤثرين والمؤثرات غير البشريين”.
وعبثًا، تحاول القوانين ملاحقة جرائم “التزييف” في عصر الثورة الرقمية. إذ سيبدأ الاتحاد الأوروبي اعتباراً من أغسطس المقبل تطبيق قواعد جديدة ضمن “قانون الذكاء الاصطناعي”، تلزم جميع الشركات بوضع علامات واضحة على المحتوى المولد أو المعدل بالذكاء الاصطناعي. بينما أكدت “هيئة معايير الإعلان البريطانية” (ASA) أن لوائحها لا تمنع صراحة نشر محتوى دعائي مولد بالذكاء الاصطناعي دون الإفصاح عنه، “ما دام الإعلان نفسه لا يُعد مضللاً للمستهلك”.
أما لماذا تقبل الشركات والبراندات العالمية على استخدام خدع الذكاء الاصطناعي في إعلاناتها؟ فتجيب ‘كلاريسا مانسبريدج’ المديرة السابقة لأعمال المشاهير، ومؤسسة مشروع “ميا ميتافيرس” للشخصيات المؤثرة الافتراضية: ” الذكاء الاصطناعي يوفر فرصة ذهبية لتقليل التكاليف وزيادة هامش الأرباح. يكفي أن نعلم أن ما بين 40% و 60% من المحتوى المنشور لحساب بعض العلامات التجارية الكبرى هو نتاج الذكاء الاصطناعي”.
وتوضح ‘ مانسبريدج’ أن جلسة تصوير تقليدية لموديل إعلانات قد تكلف بين 20 ألفاً و 70 ألف دولار، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى مشابه خلال ساعات وبكسور من تلك التكلفة، فضلًا عن أنه “يجنّب الشركات مشكلات المشاهير والمؤثرين الحقيقيين، بدايةً من الفضائح الشخصية إلى ارتفاع الأجور والخلافات التعاقدية”.
في المقابل، ظهرت خلال السنوات الأخيرة شخصيات افتراضية شهيرة مثل “ليل ميكيلا” (Lil Miquela)، التي جمعت ملايين المتابعين ووقعت شراكات إعلانية مع علامات عالمية. كما لجأت شركات الأزياء ومستحضرات التجميل ووكالات السفر إلى استخدام “وجوه رقمية” بالكامل في نشر محتواها الترويجي.
ولعل هذا التطور هو الأجدر بالدراسة (الأكاديمية) لأن الذكاء الاصطناعي تجاوز استخدام المشاهير والنجوم في الحملات الإعلانية، سامحًا لخوارزميات السوشيال ميديا فرض إعلانات أبطالها أناس عاديين، مثل الجارة أو زميلة الدراسة أو الصديق الذي يشارك تجربته اليومية مع منتج ما. وهنا تصبح عملية “الإقناع” Persuasion (أهم استراتيجيات العمل الإعلاني) أسهل وأكثر فاعلية .. لكنها أكثر خطورة أيضاً في قدرتها على “تضليل الجمهور”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى