كتاب وشعراء

قراءة في نص: “شرهٌ للحب” للشاعر اللبناني تيسير حيدر.. بقلم الأديب الناقد: نذير الحسن

النَّص:
شَرِهٌ لِلْحُبّ…
يَخْطرُ بِبالي أن أعانِقَ مَنْ يَكْرهُني
قَد تكونُ أنامِلي سَرَقَتْ من جُذورِ شُتولِ التَّبغِ رَهَفَها وشَذى قُبُلاتِها يَومَ كُنتُ طِفلاً مُزارِعاً نَهِماً تُقَبِّلُهُ الأثلامُ وتَصبغُ أصابعَهُ بالوَحلِ وكُحْلِ الصُّخور
أحِسُّ بأنِّي جَمِيلٌ كالإخْضرار الذي تَسَرَّبَ إلى مَسامي مِن أوراقِها بِالعناق !!
تيسير حيدر_لبنان

في نقد النَّص:
يمضي الشاعر وقلبه يلمعُ في الوحل كأنَّه آخرُ أخضرارٍ في هذا العالم، لا يخاف الكراهيَّة لأنَّه خُلِقَ من عناق الأرض.

قراءة في النص:

أولاً: مقارنة وتباين

من يكرهني – أن أعانقه
الحبُّ هنا لا يواجه الكراهيَّة، بل يعبر فوقها.
إنَّه حبٌّ لا ينتظر مقابلاً، بل يفيض لأنه لا يعرف غير الفيض.

جذور التبغ – رهفها وشذى قبلاتها
النبتة المرّة، التي تُحرق أوراقها، تخبّئ في جذورها رهافةً لا تُرى.
الطبيعة قاسية في ظاهرها، رقيقة في باطنها – وهذا هو التباين الذي يلتقطه الشاعر.

الوحل – كحل الصخور
الأسود نفسه يمكن أن يكون قذارةً أو زينةً.
المسألة ليست في اللون، بل في العين التي ترى.

طفل مزارع نهم – الأثلام تقبّله
الأرض هنا ليست موضوعاً للحرث، بل أمٌّ تقبّل طفلها.
انقلاب العلاقة: الأرض هي الفاعل، والطفل هو المتلقّي.

التباين المركزي
أن يولد الحبُّ في حقل تبغ،
وأن تتسرّب الرهافة من جذور مرّة،
وأن يتحوّل الوحل إلى كحل،
وأن يصبح الاخضرار جمالاً يتسرّب إلى المسام بالعناق.

هذا هو قلب النص:
الحبُّ الخام، غير المصفّى،
الحبُّ الذي لا يخاف الكراهيَّة ولا الوحل،
الحبُّ الذي يتغذّى من الأرض كما يتغذّى النبات من جذوره.

ثانياً: الشرط والزمن

الشرط الأول – شرط العناق الكوني
إذا كان الشاعر شرهاً للحبِّ،
فإنه يفكّر في معانقة من يكرهه.
هذا ليس فعلاً أخلاقياً، بل فيضاً وجودياً:
الحب الحقيقي لا يردّ الكراهية،
بل يبتلعها ويحوّلها إلى نور.

الشرط الثاني – شرط الجمال السرّي
إذا سرقت الأنامل رهف الجذور وشذى القبلات،
فإنَّ الجسد يشعر بأنَّه اخضرارٌ يمشي.
الجمال هنا ليس انعكاساً، بل امتصاصاً:
امتصاص الأرض، والطفولة، والوحل، والندى.

الزمن الأول – زمن الطفولة الترابية
طفلٌ مزارعٌ نهم،
تقبّله الأثلام،
وتصبغ أصابعه بالوحل.
زمنٌ لا يعرف المسافة بين الجسد والتراب.

الزمن الثاني – زمن الحاضر المشبع بالماضي
الطفل لم يمت.
جذور التبغ مازالت تعطيه رهافتها.
الذاكرة هنا ليست استرجاعاً، بل استمرار.

الزمن الثالث – زمن العناق المحتمل
“يخطر ببالي أن أعانق من يكرهني”
هذا زمنٌ لم يحدث بعد،
لكنه موجود كنبضة،
كإمكانيَّة تنتظر لحظة الظهور.

ثالثاً: المعادل الموضوعي

المعادل الموضوعي في النص هو:
الاخضرار الذي يتسرّب إلى المسام بالعناق.

الاخضرار = الحياة
التسرّب = الامتلاء
العناق = الاندماج مع الأرض والآخر

الشاعر لا يقول:
“أنا أحب الحياة رغم قسوتها”.
بل يقول:
الحياة نفسها تسربت إليّ،
من جذور التبغ،
من الوحل،
من الأثلام،
من العناق.

الحبُّ هنا ليس شعوراً،
بل قوة نباتية،
قوة تنمو من تحت التراب.

رابعاً: خاتمة

تيسير حيدر لا يكتب عن الحبِّ كعاطفة،
بل كـ جذرٍ أخضر يشقّ الوحل،
وكـ عناقٍ بين الجسد والأرض،
وكـ طفلٍ نهمٍ مازال يعيش في أصابع الرجل.

حين يفكّر في معانقة من يكرهه،
فهو لا يسامح،
بل يعود إلى أصله:
إلى الأرض التي قبّلته،
إلى الوحل الذي صار كحلاً،
إلى التبغ الذي علّمه الرهف،
إلى الاخضرار الذي يسري فيه كسرٍّ لا يزول.

بقلم: نذير الحسن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى